ترامب يستهدف مسلمي الغرب: من صادق خان إلى زهران ممداني

كتب: إبراهيم الهمامــي
لم يتوقف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي اعتاد أن يثير الجدل بتصريحاته النارية ومواقفه المثيرة للانقسام، عند حدود القارة الأوروبية في هجومه على المسلمين في مواقع السلطة. فبعد أن شنّ هجومًا لاذعًا على عمدة لندن صادق خان بسبب مواقفه السياسية وانتقاده لسياسات اليمين الشعبوي، امتد خطاب ترامب هذه المرة ليطال أحد الوجوه المسلمة الصاعدة في الولايات المتحدة نفسها، وهو السياسي الأميركي من أصول هندية ـ أوغندية زهران ممداني، الذي فاز مؤخرًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لرئاسة بلدية نيويورك.
زهران ممداني، الذي ينحدر من عائلة مهاجرة تحمل أصولًا هندية وأوغندية، نجح خلال السنوات الماضية في فرض نفسه كأحد أبرز الأصوات الشابة داخل الحزب الديمقراطي. فقد عرفه الشارع الأميركي كناشط مجتمعي يدافع عن قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق المهاجرين، قبل أن يدخل معترك السياسة بخطوات واثقة جعلت منه اسمًا لامعًا في أوساط الناخبين الشباب، والأقليات العرقية والدينية على حد سواء.
فوزه في الانتخابات التمهيدية لرئاسة بلدية نيويورك لم يكن مجرد انتصار شخصي، بل اعتبره كثيرون انتصارًا رمزيًا للجاليات المسلمة والمهاجرة التي تعاني من حملات تشويه وشيطنة مستمرة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي تصاعدت وتيرتها مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016.
هجوم ترامب على ممداني لم يأتِ من فراغ، فالرئيس الجمهوري السابق الذي يسعى إلى العودة إلى المشهد السياسي الأميركي في الانتخابات المقبلة، يعتمد على خطاب قومي ـ شعبوي يركز على إثارة المخاوف من “الآخر” ويستثمر في الانقسامات العرقية والدينية لتعزيز شعبيته بين القاعدة المحافظة. ومنذ سنوات، دأب ترامب على استهداف الشخصيات السياسية المسلمة، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
فبعد أن وصف عمدة لندن صادق خان بأنه “كارثة” واتهمه بالفشل في إدارة مدينته، جاء الدور اليوم على زهران ممداني، في مشهد يعكس مدى اتساع دائرة الخطاب الشعبوي ليشمل ليس فقط القادة المسلمين في الخارج، بل حتى الأميركيين الذين ينتمون إلى ذات الدائرة الدينية أو العرقية.
ويرى محللون أن استهداف ترامب لممداني في هذا التوقيت يهدف إلى ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فمن جهة يسعى ترامب إلى توجيه رسائل مباشرة إلى قاعدته الانتخابية المحافظة التي تخشى صعود الأقليات إلى مواقع صنع القرار، ومن جهة أخرى يحاول التقليل من شأن تقدم التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي يمثل ممداني واحدًا من وجوهه البارزة.
لكن هذا الهجوم قد يأتي بنتائج عكسية، إذ يمكن أن يمنح ممداني زخمًا إضافيًا، ويضاعف من شعبيته، خصوصًا أن كثيرًا من الناخبين الأميركيين باتوا ينفرون من الخطابات التي تتسم بالتمييز الديني أو العرقي.
في الوقت ذاته، يثير هجوم ترامب جدلًا أوسع حول صورة الولايات المتحدة كدولة قائمة على التعددية وقبول الآخر. فبينما يواصل الحزب الديمقراطي الدفع بمرشحين متنوعين يمثلون مختلف الأعراق والأديان، يعمد ترامب إلى التشكيك في قدرتهم على قيادة مدن أو مؤسسات سياسية كبرى لمجرد انتمائهم الديني أو العرقي.
هذا التناقض يعكس في جوهره صراعًا أعمق حول هوية أميركا في القرن الحادي والعشرين: هل هي دولة التنوع والانفتاح التي تحتضن الجميع على قاعدة المواطنة، أم أنها دولة الشعبوية القومية التي تضع حدودًا خفية أمام أبناء الأقليات مهما بلغت كفاءتهم؟
في المحصلة، فإن هجوم ترامب على زهران ممداني ليس مجرد تصريح عابر، بل هو حلقة جديدة في سلسلة من المواجهات السياسية والفكرية التي تشهدها الولايات المتحدة منذ سنوات، مواجهة بين خطاب الانغلاق والخوف من “الآخر”، وخطاب التعددية والتمثيل العادل للأقليات.
ورغم حدة الهجوم، يبدو أن ممداني وغيره من الوجوه المسلمة الصاعدة سيواصلون المضي في مسارهم السياسي بثقة أكبر، مدفوعين بإيمانهم بقدرة التغيير، وبحلم أميركا التي تتسع للجميع دون استثناء.



