استقالة رئيس وزراء فرنسا الجديد سيباستيان لوكورنو بعد ساعات من تشكيل الحكومة

استقالة رئيس وزراء فرنسا الجديد سيباستيان لوكورنو بعد ساعات من تشكيل الحكومة: الأسباب والتفاصيل الكاملة
كتبت : ميادة قاسم
قدم رئيس الوزراء الجديد سيباستيان لوكورنو استقالته بعد أقل من 24 ساعة من إعلان تشكيلة حكومته الجديدة، في 6 أكتوبر 2025.
جاءت هذه الاستقالة المفاجئة، التي أكدتها الرئاسة الفرنسية في قصر الإليزيه، تجعل حكومة لوكورنو الأقصر في تاريخ الجمهورية الفرنسية، حيث دامت لساعات قليلة فقط.
يأتي هذا الحدث في سياق من الاضطرابات السياسية المستمرة منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في يونيو 2024، التي أدت إلى برلمان مجزأ بين ثلاث كتل رئيسية متناحرة، وسقوط حكومتين سابقة في غضون عام واحد.
خلفية الحدث: من سقوط بايرو إلى تعيين لوكورنو
بدأت الأزمة الحالية في 8 سبتمبر 2025، عندما صوت البرلمان الفرنسي (الجمعية الوطنية) على حجب الثقة عن حكومة فرانسوا بايرو، الذي تولى رئاسة الوزراء في يناير 2024. حصل 364 نائباً على أصوات لصالح الحجب، مقابل 194 فقط لدعم الحكومة، مما أجبر بايرو على تقديم استقالته في اليوم التالي.
كان السبب الرئيسي مشروع ميزانية التقشف لعام 2026، الذي أثار غضب المعارضة بسبب قصصه في الإنفاق العام، حيث بلغ الدين العام 112% من الناتج المحلي الإجمالي، ثالث أعلى معدل في أوروبا بعد اليونان وإيطاليا.
رداً على ذلك، عيّن الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي ينتهي عهده في 2027، سيباستيان لوكورنو – الوزير السابق للدفاع – رئيساً للوزراء في 9 سبتمبر 2025.
كان لوكورنو، البالغ من العمر 45 عاماً ويُعتبر حليفاً مخلصاً لماكرون، يُنظر إليه كخيار لاستقرار الحكومة من خلال تشكيل ائتلاف واسع مع الأحزاب الوسطية واليمينية.
ومع ذلك، استغرق تشكيل الحكومة الجديدة نحو 25 يوماً، حيث كلف ماكرون لوكورنو بالتشاور مع الأحزاب للوصول إلى “اتفاقات ضرورية” قبل الإعلان الرسمي في 5 أكتوبر 2025.
تفاصيل الاستقالة: ما حدث في ساعات قليلة؟
أعلن لوكورنو عن تشكيلة حكومته مساء الأحد 5 أكتوبر، وكانت تشمل إعادة تعيين وزراء رئيسيين مثل برونو ريتايو في وزارة الداخلية، وزعيم حزب الجمهوريين المحافظين.
كان المقرر أن يلقي لوكورنو خطاباً أمام البرلمان في 7 أكتوبر لكشف رؤيته الحكومية، مع التركيز على الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
لكن الاستقالة جاءت في الصباح التالي، 6 أكتوبر، بعد انتقادات حادة من المعارضة والحلفاء أنفسهم. نقلت محطة “بي.إف.إم” التلفزيونية عن مصادر حكومية أن لوكورنو واجه ضغوطاً داخلية هائلة، مما دفع الإليزيه إلى إصدار بيان يؤكد قبول ماكرون للاستقالة فوراً.
هكذا، أصبحت هذه الحكومة الثالثة في غضون عام، والأقصر على الإطلاق، مقارنة بحكومة إليزابيت بورن التي دامت 20 شهراً قبل استقالتها في يناير 2024.
الأسباب الرئيسية وراء الاستقالة
تكمن الأسباب في مزيج من الضغوط السياسية والاقتصادية، مع التركيز على البرلمان المجزأ الذي يجعل أي حكومة عرضة للسقوط وأيضاً انتقادات لاذعة بسبب التشكيلة الحكومية
حيث وصف برونو ريتايو التشكيلة بأنها “لا تعكس الانفصال الموعود عن الماضي”، مما أثار اجتماعاً طارئاً لحزب الجمهوريين.
كما انتقد اليسار الراديكالي واليمين المتطرف التشكيلة لعدم شمولها تغييرات جذرية، مما أدى إلى تهديدات بحجب الثقة الفوري.
أيضا الأزمة الإقتصادية والميزانية حيث يواجه الاقتصاد الفرنسي عجزاً هائلاً، مع ديون تصل إلى 23 مليار يورو في القطاع الصحي وحده، ومستشفيات على حافة الإفلاس.
ومشروع الميزانية الجديد، الذي يهدف إلى خفض الإنفاق بنسبة 2%، أثار احتجاجات واسعة، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة إلى 7.5% وتضخم يتجاوز 2.5%.
ولا شك أن الضغوط السياسية أهم الأسباب ، حيث يُرجح أن 64% من الفرنسيين يطالبون باستقالة ماكرون نفسه، وفق استطلاع لـ”أودوكسا-باكبون”، مما يعكس فقدان الثقة في قدرته على تشكيل ائتلاف مستقر بين حزبه “النهضة”، والجمهوريين، والحركة الديمقراطية، وحزب آفاق.
ايضاً البرلمان المجزأ، الناتج عن الانتخابات 2024، الذي يمنع أي أغلبية واضحة، مما يجعل كل حكومة عرضة للتصويت السلبي.
والخطوط الحمراء الحزبية، كما يقول ماتيو غالار من معهد إيبسوس، “كل حزب لديه خطوط حمر تجعل الائتلاف مستحيلاً”، خاصة مع رفض اليسار الراديكالي لأي تحالف مع ماكرون، ومطالب اليمين بإصلاحات أمنية أكثر صرامة.
التأثيرات والمستقبل
هل تنتهي فترة ماكرون بهذه الفوضى؟تعمق هذه الاستقالة الأزمة، حيث يواجه ماكرون خيارين رئيسيين: إما حل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية جديدة – ما قد يؤدي إلى هزيمة ثانية لوسطييه – أو تعيين رئيس وزراء جديد مؤقتاً لإدارة الشؤون اليومية حتى 2027.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قد يؤدي التأخير إلى تعليق الميزانية، مما يفاقم الديون ويضعف موقف فرنسا في الاتحاد الأوروبي.
كما يثير الحدث تساؤلات حول استقرار الديمقراطية الفرنسية، مع دعوات متزايدة لاستقالة ماكرون.
في الختام، تمثل استقالة لوكورنو ذروة أزمة سياسية طويلة الأمد في فرنسا، ناتجة عن انقسامات حزبية عميقة وتحديات اقتصادية ملحة.
ف مع اقتراب نهاية ولاية ماكرون، يبقى السؤال: هل ينجح في إنقاذ ما تبقى من عهده، أم أن فرنسا تدخل عصر حكومات قصيرة العمر؟



