مصر مباشر - الأخباروثائق وحكايات

حكاية فكرة الحضور المصري في العراق.. من التضامن العربي إلى الشراكة العميقة

كتب: إبراهيم الهمامـــي ـ 23 أكتوبر 2025

 

في زمنٍ تتغير فيه التحالفات وتتشابك المصالح، تعود مصر اليوم لتكتب فصلًا جديدًا من حضورها العربي، وهذه المرة في العراق، حيث تمتزج الذاكرة بالتاريخ، والسياسة بالعروبة، والمصلحة بالمصير المشترك.

فكرة الحضور المصري في العراق ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمسار طويل من العلاقات الأخوية التي جمعت بين شعبين وادي النيل ودجلة والفرات، في مسيرةٍ بدأت منذ عقود ولم تنقطع رغم ما مرّ به الإقليم من أزمات وحروب.

فالعلاقات المصرية العراقية لم تكن يومًا مجرد تواصل دبلوماسي أو تعاون اقتصادي عابر، بل كانت شراكة في بناء الوعي والهوية والنهضة.

فمنذ خمسينيات القرن الماضي، كان للمصريين دور محوري في تشكيل البنية التعليمية والصحية والهندسية في العراق، حيث عمل الآلاف من الكوادر المصرية في المدارس والمستشفيات والمشروعات الكبرى، وأسهموا في نهضة العراق الحديث، حتى أصبحت الخبرة المصرية عنوانًا للجودة والإخلاص في العمل، وأصبح اسم المصري في العراق مرادفًا للثقة والكفاءة.

 

ورغم ما تعرض له العراق من ظروف قاسية خلال العقود الأخيرة، وما تبعها من انسحابٍ نسبيٍ للحضور المصري نتيجة الأوضاع الأمنية والسياسية، فإن الفكرة لم تَمُت، بل ظلت حيّة في وجدان الشعبين تنتظر لحظة العودة. ومع تغير المشهد الإقليمي، وبدء مرحلة جديدة من البحث عن التكامل العربي بعيدًا عن الاستقطاب، وجدت القاهرة أن الوقت قد حان لاستعادة هذا الدور الطبيعي، فبدأت من جديد في رسم خريطة لحضور متوازن داخل العراق، يقوم على التعاون والشراكة لا على المصالح الضيقة.

 

لقد أعادت اللقاءات المتكررة بين القيادتين في القاهرة وبغداد دفء العلاقات، وجاء تأسيس الآلية الثلاثية بين مصر والعراق والأردن ليكون منصة حقيقية للتعاون العربي في مجالات الطاقة والإعمار والاستثمار والبنية التحتية. وبدأت الشركات المصرية تدخل بقوة إلى السوق العراقية، حاملة معها خبرتها الطويلة في البناء والتشييد، بينما فتحت المؤسسات العراقية أبوابها أمام الكفاءات المصرية في مجالات التعليم والصحة والخدمات العامة. كما شهدت المرحلة الأخيرة توقيع اتفاقيات لتبادل الخبرات الفنية في مجالات الكهرباء والنفط والزراعة، إضافة إلى تعاون أمني واستخباراتي مشترك يهدف إلى مكافحة الإرهاب وحماية الحدود من التنظيمات المتطرفة.

 

الحضور المصري في العراق اليوم لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد تعاون اقتصادي أو تجاري، بل هو عودة لدور حضاري وتاريخي يمتد بجذوره إلى عمق العروبة. فمصر، التي كانت وما زالت مركز الثقل في العالم العربي، تنظر إلى العراق باعتباره جزءًا أساسيًا من أمنها القومي، وإلى استقراره باعتباره ضمانة لاستقرار المنطقة بأسرها. ومن هنا جاءت الرؤية المصرية القائمة على مبدأ “الشراكة من أجل البناء”، لا على منطق التنافس أو الوصاية. إنها عودة عبر “القوة الناعمة”، التي طالما كانت السلاح الأبرز في يد القاهرة، قوة تمتزج فيها الثقافة والتعليم والفن والسياسة في مزيجٍ واحدٍ يصنع التأثير العميق في العقول والقلوب.

 

ولعلّ ما يميز هذا الحضور المصري هو بعده الإنساني قبل الاقتصادي. فالعراقيون ما زالوا يذكرون الطبيب المصري الذي عالج أبناءهم، والمعلم الذي ربّى أجيالهم، والفني الذي ساهم في بناء مؤسساتهم. تلك الذكريات التي حفرتها السنوات لا تزال تشكل أساس الثقة المتبادلة بين الشعبين، وتجعل من الحضور المصري اليوم أمرًا طبيعيًا ومحبوبًا، لا تدخلاً غريبًا ولا حضورًا مفروضًا. فالمصري في العراق لم يكن يومًا غريبًا، بل كان دومًا شاهدًا على العروبة في أنقى صورها.

 

كما أن الحضور الثقافي المصري في العراق ظل راسخًا رغم غياب التواصل الرسمي لسنوات، فالفن والدراما والكتب المصرية وجدت جمهورًا واسعًا في العراق، يعكس عمق الروابط الثقافية التي لا تُقاس بالحدود الجغرافية، بل بالمشاعر المشتركة واللغة الواحدة والوجدان العربي المتجذر في القلوب. وفي الوقت الذي يسعى فيه البعض لتفتيت الهوية العربية، تأتي التجربة المصرية العراقية لتثبت أن الهوية أقوى من كل مشاريع التقسيم، وأن وحدة المصير العربي يمكن أن تجد طريقها مجددًا عبر التعاون والتنمية والمصالح المشتركة.

 

أما من الجانب الاقتصادي، فإن مصر تدرك تمامًا أن العراق يمثل ركيزة مهمة في معادلة التنمية الإقليمية، بثرواته النفطية والزراعية وبموقعه الجغرافي الذي يربط بين الخليج وبلاد الشام. لذلك جاءت الرؤية المصرية لتعزيز التعاون في مجالات الغاز والطاقة وتبادل الخبرات الفنية، وربط الشبكات الكهربائية بين البلدين، وإنشاء مناطق صناعية وتجارية مشتركة، وفتح الأسواق أمام المنتجات المصرية التي تحظى بثقة المستهلك العراقي. إن هذا التعاون لا يخدم اقتصاد البلدين فحسب، بل يسهم أيضًا في تقوية البنية الاقتصادية العربية ككل، في مواجهة التحديات الإقليمية والضغوط الدولية.

 

الحضور المصري في العراق أيضًا يحمل في طياته رسالة سياسية واضحة مفادها أن العرب قادرون على النهوض بأنفسهم، وأنهم لا يحتاجون إلى وصاية أحد. فمصر والعراق يشتركان في تجربة مؤلمة مع الإرهاب والتطرف، ويعرفان أن أمن أحدهما مرتبط بالآخر. ومن هذا الوعي تنطلق الرؤية المصرية التي تعتبر استقرار العراق جزءًا من أمنها الوطني، وتعمل على دعمه بكل الوسائل الممكنة، دون تدخل في شؤونه الداخلية، بل في إطار من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

 

إن حكاية الحضور المصري في العراق ليست قصة عابرة، بل فصل جديد من مشروع عربي يستعيد روح التعاون والتكامل بعد سنواتٍ من الانقسام والتراجع. إنها عودة مصر إلى دورها الطبيعي، وإحياء لفكرة العروبة التي تتجاوز الشعارات إلى الفعل والعمل. فحين تمد القاهرة يدها إلى بغداد، فإنها لا تفعل ذلك بمنطق المصالح فقط، بل بمنطق الأخوّة التاريخية التي جمعت الشعبين عبر قرون من التواصل.

 

ومن هنا يمكن القول إن الحضور المصري في العراق هو عودة الوعي العربي، وإحياءٌ لفكرة المصير الواحد الذي يجمع العرب من المحيط إلى الخليج. فالقاهرة وبغداد تكتبان اليوم معًا صفحة جديدة في تاريخ الأمة، صفحة عنوانها التعاون والكرامة، ومضمونها التنمية والاستقلال، وروحها العروبة التي لا تموت مهما تغيرت الأزمنة. إنها ليست مجرد سياسة خارجية، بل رسالة هوية تقول للعالم إن مصر والعراق لا يمكن فصلهما عن بعضهما، لأن جذورهما واحدة، ومصيرهما واحد، ومستقبلهما مشترك.

 

الحضور المصري في العراق هو مشروع أمة تبحث عن ذاتها، وتستعيد مكانتها بين الأمم عبر طريق التعاون والبناء لا الصراع والانقسام. ومن هنا، فإن هذه الحكاية ليست حكاية دولة تزور أخرى، بل حكاية شعبين التقيا في منتصف التاريخ ليكملا معًا مشوار المستقبل.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com