اخلاقنا
«وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ».. ميزان السماء في تقييم حطام الدنيا ونعيم الآخرة

بقلم: داليا أيمن
في عالم يتسابق فيه البشر على جمع الحطام وتكديس الثروات، تأتي الآية الكريمة من سورة الزخرف لتضع النقاط على الحروف، وتصحح المفاهيم الغارقة في المادية. إنها دعوة ربانية لإعادة النظر في “قيمة الأشياء”، مؤكدة أن لمسة واحدة من رحمة الله في قلب العبد أو في مآله الأخروي، تفوق في ميزان الحقيقة كل ما جمعه الأولون والآخرون من كنوز الأرض.
أولاً: دلالات الآية وتصحيح معايير التفاضل
جاءت الآية الكريمة لتقرر حقائق إيمانية غائبة عن الكثيرين:
- قسمة الأرزاق: الله عز وجل هو الذي يقسم المعيشة والأرزاق بين العباد لحكمة “التسخير”، ليعين بعضهم بعضاً في عمارة الأرض، وليس لأن الغنى دليل رضا أو الفقر دليل سخط.
- خيرية الرحمة: كلمة “خير” هنا تفيد الأفضلية المطلقة؛ فرحمة الله دائمة بينما ما يجمعه البشر زائل، ورحمة الله تمنح السكينة بينما قد يجلب المال الشقاء.
ثانياً: لماذا رحمة الله خير من الدنيا وما فيها؟
- الأمان الروحي: رحمة الله هي التي تهدي القلب وتحميه من القنط واليأس، وهي الهبة التي تجعل العبد غنياً في فقره، عزيزاً في قلته.
- الفلاح الأبدي: كل ما يجمعه الإنسان ينتهي بمجرد خروج الروح، أما رحمة الله فهي “جواز المرور” الوحيد إلى الجنة ودوام النعيم.
- تجاوز الماديات: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، لذا فإن الرحمة ادخرها الله للمؤمنين لتكون هي الفوز الحقيقي.
ثالثاً: كيف تفتح أبواب الرحمة الإلهية؟
إن رحمة الله “قريب من المحسنين”، ونيلها يتطلب سعياً حثيثاً عبر مسارات واضحة:
- الإحسان للحق وللخلق: فمن رحم الناس رحمه الله، ومن أحسن في عبادته نال ود ربه.
- اتباع الهدي النبوي: الاقتداء بالرسول ﷺ الذي أرسله الله “رحمة للعالمين”.
- الاستغفار والملازمة: المداومة على ذكر الله وتلاوة القرآن تجعل القلب مستعداً لاستقبال فيوضات الرحمة.
- الرضا بالقدر: اليقين بأن منع الله هو عين العطاء، وأن تدبيره للرزق هو تمام الرحمة.
رابعاً: ثمرات استشعار هذه الآية
- القناعة: التحرر من عبودية المادة واللهث وراء المقارنات الاجتماعية المرهقة.
- التواضع: إدراك أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فلا يتكبر غني بماله ولا يحزن فقير لقلة ذات يده.
- الأمل: فتح باب الرجاء حتى في أحلك الظروف، لأن رحمة الله لا تغلقها الأبواب الأرضية.
إن «رحمة ربك» هي الكنز الذي لا ينفد، والملجأ الذي لا يخيب، فمن وجدها فماذا فقد؟ ومن فقدها فماذا وجد؟



