” بابلو إسكوبار ” الضحية التي أخافت النظام الدولي

كتبت / دعاء هزاع الجابري
أن في كل مرة ترفع فيها راية ” الأمن الإنساني ” في هذا العالم السياسي المتخم لتبرير إسقاط شخصية أو تقويض نفوذ ما ، يجدر بنا أن نتوقف قليلا لقراءة المشهد ، ونسأل انفسنا : هل ياترى فيما نراه هو الحقيقة كاملة ، أم مجرد نسخة مصاغة بعناية لخدمة مصالح أكبر؟ ، فقصة ” بابلو إسكوبار ” قدمت للعالم بوصفها معركة أخلاقية بين الخير والشر ، بين الدولة والجريمة ، غير أن ما خفي خلف الكواليس كان أعقد بكثير من هذه الثنائية السطحية فالرجل الذي صور كأخطر مجرم في التاريخ الحديث ، لم يكن يتحرك في فراغ بل داخل منظومة دولية سمحت له بالصعود ، واستفادت من خلاله ثم قررت التخلص منه عندما أصبح عبئا لا يمكن احتواؤه ، ومن هنا لا تقرأ قصة إسكوبار كحكاية جريمة فحسب ، بل كنافذة كاشفة على عالم تدار فيه السياسة بالظل ، وتستخدم فيه الأخلاق كأداة لا كقيمة
فعند العودة إلى الوراء في سجل الأحداث السياسية ، تبرز قصة بابلو إسكوبار بوصفها واحدة من أكثر القصص التباسا في العلاقة بين الجريمة المنظمة والدولة العميقة ، فالرواية الرسمية التي روج لها عالميا اختزلت الرجل في كونه ” خطرا إنسانيا ” بسبب تجارته الممنوعة ، لتبرر بذلك عملية تصفيته وتقويض نفوذه ، غير أن عند التمعن في تفاصيل تلك المرحلة يكشف لنا بأن هذه الحجة على وجاهتها الأخلاقية الظاهرية لم تكن سوى غطاء سياسي لاعتبارات أعمق وأكثر حساسية ، فإسكوبار لم يكن مجرد تاجر ممنوعات تقليدي ، بل كان لاعبا ذكيا استطاع أن يبني نفوذا عابرا للحدود ، وأن يفرض نفسه كرقم صعب في معادلات اقتصادية وسياسية غير معلنة ، هذا النفوذ وما كان يحمله من أسرار وأوراق ضغط ، جعلته مصدر قلق حقيقي لدول كبرى لا تقبل بوجود لاعب خارج منظومتها السياسية الخفية ، ولا تساوم من يهدد بكشف ما يدار لها في الظل ، ومن هنا يمكن النظر إلى ” الاعتبارات الإنسانية ” التي رافقت القضاء على إسكوبار بوصفها أداة خطابية أكثر منها دافعا أخلاقيا خالصا
فالعالم آنذاك كما اليوم ، لم يكن خاليا من تجارات مشبوهة تمارسها قوى أكثر بطشا واتساعا ، بتجارات تتجاوز في أثرها وحدودها ما قام به إسكوبار بآلاف الأميال ، ومع ذلك تدار تحت غطاء الشرعية أو الصمت الدولي ، إن مقارنة واقعنا الحالي بتجربة إسكوبار تكشف لنا مفارقة صارخة في ان ما جرى تسويقه كمعركة أخلاقية ضد رجل واحد ، يبدو اليوم مجرد نقطة في بحر عالم كامل من المصالح السوداء التي تدمر الكيان الإنساني دون مساءلة حقيقية ، ليغدو إسكوبار نفسه هنا أداة ضمن لعبة أكبر ، استخدم ثم أُقصي عندما تجاوز الخطوط المرسومة له ، ولهذا فإن قصة ” بابلو إسكوبار ” لا تستحق أن تروى بوصفها حكاية جريمة فحسب ، بل كدرس سياسي يتداول عبر الأجيال لفهم كيف تدار الغايات الكبرى ، وكيف يعاد تشكيل صورة الأفراد وفق ما تريده القوى المهيمنة ، لا وفق الحقيقة كاملة خشية أن يقام الحد على من يدير العالم من خلف الستار
ففي عالم لا تدار فيه السياسة بالأخلاق بل بالمصالح ، لا يقتل الخطر لأنه خطر ، بل لأنه خرج عن السيطرة ، فبابلو إسكوبار لم يغتل لأنه دمر المجتمعات بالممنوعات ، فالعالم ما زال يدمر يوميا بتجارات أشد فتكا وأوسع نفوذا وتحت مسميات شرعية ، بل قضي عليه لأنه عرف أكثر مما ينبغي ، وامتلك من الأوراق ما كان كفيلا بإرباك منظومة كاملة بنيت على الصمت والتواطؤ ، والحقيقة التي لا يراد الاعتراف بها هي أن إسكوبار لم يكن استثناء في عالم الجريمة ، بل كان مرآة عكست قبح نظام دولي يتقن اختيار ضحاياه بعناية ، وحين قررت القوى الكبرى إسدال الستار عليه لم يكن ذلك انتصارا للإنسانية بل رسالة واضحة عنوانها ” من يسمح له باللعب ، ومن يقرر له أن يمحى من الرواية ” ، وهكذا ، لم يدفن بابلو إسكوبار وحده ، بل دفنت معه أسئلة كبرى عن عدالة العالم ونقاء الحروب التي تخاض باسمه ، وحقيقة من يملك حق تعريف الشر والخطر ، وأن لم تطرح هذه الأسئلة بجرأة في عالمنا اليوم ، سيبقى العالم يصفق لكل نهاية يزعم ” بنظافتها ” على انها انتصار ، بينما تدار الفوضى الحقيقية من خلف الستار بلا أسماء ، بلا محاكم ، وبلا مساءلة .



