” سويسرا وشبح البقاء ” حين تنسحب الحياة بصمت

كتبت / دعاء هزاع الجابري
هناك في هذا العالم المكتض من حولنا توجد أماكن لا تغادرها الحياة دفعة واحدة ، بل تنسحب منها كما ينسحب الضباب عن سفح جبل عند الفجر ، ببطء لا يلاحظ ، وهدوء لا يوقظ أحدا ، أماكن تبقى جميلة حد الإيلام لكنها تفقد شيئا غير مرئي في كل يوم ك : صوتا كان يمر ، وخطوة كانت تعبر ، أو نافذة كانت تفتح على الصباح ، ففي تلك العزلة العالية حيث الجبال أقدم من الذاكرة ، يصبح البقاء فعل مقاومة صامتة ويغدو الرحيل قرارا موجعا لا يتخذ إلا حين تضيق الحياة رغم اتساع المكان ، ومن هنا تبدأ الحكاية ، لا عن الطبيعة بل عن الإنسان حين يترك وحيدا أمام جمال لا يستطيع أن يحمله وحده
ففي وادي ” أونسيرنونه ” حيث تتعانق الجبال السويسرية في صمت مهيب ، تبدو الحياة وكأنها تسير على حافة التوازن الدقيق بين البقاء والزوال ، فهناك لا تقاس المسافات بعدد الكيلومترات بل بمقدار المشقة التي يتكبدها الإنسان ليصل ، ولا تقاس الأيام بعدد ساعاتها بل بثقل العزلة التي تراكمها الطبيعة الجميلة حين تتحول من ملاذ إلى اختبار قاس ، نعم أن الطبيعة هناك ساحرة حد الخداع ، فخضرة كثيفة ، وسماء قريبة ، وهواء نقي يوحي بالطمأنينة ، غير أن هذا الجمال يخفي خلفه واقعا مختلفا ، واقعا لا يظهر إلا لمن قرر أن يعيش فيه لا أن يمر به عابرا ، فبعض الأماكن في تلك المناطق الجبلية لا يمكن الوصول إليها إلا سيرا على الأقدام عبر ممرات جبلية ضيقة ، وكأنها خطت خصيصا لتذكير الإنسان بأن العيش هنا ليس امتيازا ، بل مسؤولية ثقيلة
حيث في هذا الوادي من ” أونسيرنونه ” ، تصبح الخدمات الأساسية حلما مؤجلا فالرعاية الصحية التي يفترض أن تكون حقا بديهيا تتحول إلى قلق يومي خصوصا لكبار السن والأطفال ، حيث يواصل طبيب واحد العمل هنا منذ سنوات طويلة ، لا لأنه وجد الظروف المثالية بل لأنه لم يجد من يحل محله ، فعزلة المكان وقلة السكان جعلت وجود البدائل أمرا شبه مستحيل ، ومع مرور الوقت بات غياب الطبيب المحتمل أكثر رعبا من المرض نفسه ، أما الشباب فقد اختاروا خيار الرحيل الوحيد المتاح امامهم فلم يغادروا بدافع الجحود ، ولا لأنهم لم يحبوا المكان بل لأن الحياة في المدن بدت أقل قسوة وأكثر عدلا ، فهناك فرص العمل أوضح والتعليم أقرب والخدمات لا تحتاج إلى مجازفة يومية ، ولذلك مع كل شاب يغادر يخفت صوت في الوادي ، ومع كل بيت يغلق تنطفئ حكاية كانت تعاش به ، وهكذا ، لا تتحول القرى إلى ” قرى أشباح ” دفعة واحدة بل ببطء مؤلم ، فيحدث الأمر بصمت دون ضجيج أو إعلان ، و يبقى كبار السن وحدهم يحرسون الذاكرة ويستعيدون وجوها غابت وأصواتا لم تعد تعود ، ومع غياب الأجيال الجديدة تفقد الأماكن قدرتها على التجدد ، وكأن الزمن توقف عند لحظة ما لم يعد أحد قادرا على تجاوزها ، لان الانتماء مهما كان صادقا لا يكفي وحده ، فحب المكان لا يصمد طويلا أمام واقع معيشي قاس ، والتعلق بالجذور لا يمنع الرحيل حين تصبح الحياة اليومية سلسلة من التنازلات المؤلمة ، فالأرض تحتاج أكثر من الذكريات ، تحتاج إلى دعم عملي ، إلى سياسات واعية ، وإلى رؤية ترى في الإنسان جوهر المكان لا مجرد عنصر عابر فيه
ان ما يحدث في هذا الوادي السويسري ليس استثناء سويسريا ، بل مرآة لظاهرة عالمية ، حيث القرى الجبلية والمناطق النائية في بقاع الأرض المختلفة من العالم بما فيها العالم العربي ، الذي يعيش المصير ذاته من حيث : النزيف السكاني البطيء ، والأنكماش الاجتماعي ، والانطفاء التدريجي للحياة اليومية فالأماكن لا تموت حين تتصدع الجدران ، بل حين تغيب العلاقات وتختفي الأنشطة وتسكن الضحكات ، وهنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه ، لا كاستفهام عابر بل كتحد أخلاقي وإنساني وهو : هل نكتفي بأن تبقى هذه المناطق لوحات طبيعية تستهلك سياحيا ، تزار في مواسم محددة ثم تنسى؟ ، أم نطمح إلى الحفاظ عليها كمجتمعات حية ، قادرة على الاستمرار مهما بدت الظروف قاسية؟
إن إنقاذ هذه الأماكن لا يكون بالاكتفاء بالإعجاب بجمالها ، بل بإعادة الاعتبار لمن يعيشون فيها وبخطط تنموية حقيقية وخدمات مستدامة وفرص حياة تتيح للناس البقاء دون أن يشعروا بأنهم يدفعون ثمنا باهظا مقابل حبهم لأرضهم ، فحين تترك هذه المناطق لمصيرها ، تصبح زيارتها أشبه بالدخول إلى أماكن ما زالت البيوت قائمة فيها ، لكن الحياة غادرتها منذ زمن بعيد .



