سياسة الظل ” إبستين ، وويكيليكس ” وحروب الملفات السرية

كتبت / دعاء هزاع الجابري
هناك عوالم لا ترى بالعين المجردة ، حيث لا تصنع القرارات الكبرى في قاعات مضيئة ولا تحسم الصراعات بصرخات الجيوش أو صفقات البورصة ، حيث هناك في الظل تنسج مصائر الدول والأفراد بخيوط خفية ، ويوزن النفوذ بمقياس الصمت والخطيئة ، ليأتي الينا ” جيفري إبستين ” ليس كمجرد حادثة أو فضيحة كبرى ، بل بوابة إلى هذا العالم المواز ، حيث تجمع الأسرار وتحفظ المواقف وتؤجل الفضائح لتفجرها اللحظة المناسبة في هذه المنظومة ، لأن الحقيقة ليست قيمة مطلقة ، بل توقيت واستراتيجية وأداة ضغط لا تعرف الرحمة ، ومن هنا يظهر السؤال الأكبر : إن كانت القوة الحقيقية تقاس بما لا يرى ، فهل نحن الذين نظن أننا نعيش على سطح الواقع ، سوى مشاهدي لمسرحية تدار خلف ستار هذا العالم ؟
ففي الآونة الأخيرة عاد ملف جيفري إبستين إلى الواجهة بوصفه قنبلة سياسية عالمية مؤجلة ، تحمل في طياتها فضائح تهدد كل من ارتبط اسمه بها سياسيا أو اقتصاديا أو حتى تجاريا من مختلف دول العالم ، الا ان هذءه الملفات ليست استثناء عابرا ، بل جزء من منظومة أوسع تدار في الظل ، حيث تعمل أياد خفية على صناعة الشخصيات المؤثرة وتوجيه مساراتها عبر ملفات سرية تستخدم لاحقا كأوراق ضغط لضمان تنفيذ مخططات بعيدة المدى عبر سياسات الدول ونفوذ قادتها ، نعم إنها سياسة ” الابتزاز المقنع ” تعاد صياغتها بأسلوب بروتوكولي ناعم في العلن ، بينما تخفي في جوهرها ما لا يسر ولا يحسب ، فعند التمعن في أبعاد هذه الأوراق نجدها تتقاطع بوضوح مع تسريبات ” ويكيليكس ” التي هزت العالم سابقا وكشفت تورط دول وشخصيات بارزة في فضائح لم تكن لتطفو على السطح إلا حين حان توقيت استخدامها
ومن هنا تتجلى حقيقة واقع السياسة الدولية في ان العالم لا يدار بالحروب العسكرية وحدها ، ولا بالصفقات التجارية فقط دون غيرها ، بل بمنظومات ابتزاز دقيقة لا تنفجر إلا في اللحظة المناسبة ، وحين تنفجر لا يكون الهدف بها الخلاص أو العدالة ، بل على العكس يكون بذلك الانفجار إعادة لتدوير الضغوط ، وفتح مسارات ضغط جديدة في الخفاء ، وتجهيز ملفات بديلة تحفظ بعناية إلى أن يحين موعدها
إن أخطر الحروب في عالم السياسة ليست تلك التي تخاض بالسلاح ، بل تلك التي تدار بالملفات ، حيث لكل عبور ثمن ولكل صمت مقابل ولا شيء يمر مجانا في دهاليز النفوذ العالمي ، فالسياسة في جوهرها الحديث لم تعد فن الممكن فقط بل أصبحت ” هندسة للصمت ” ، صمت يصاغ بعناية ويدار بذكاء ويشترى أحيانا بالخوف وأحيانا أخرى بالفضيحة المؤجلة ، ومن هنا يتبدى الفرق بين السر والخطيئة ، فالسر يمكن دفنه أما الخطيئة فتبقى حية ، تنتظر من يمسك بتوقيتها المناسب لتظهر للعلن ، إن أخطر ما في هذه المنظومات السياسية ليس وجودها بل تطبيع وجودها ، فحين تتحول ملفات الابتزاز إلى أدوات ” شرعية ” لإدارة النفوذ يصبح الانحراف جزءا من النظام ويغدو الفساد وقوده الخفي ، عندها لا يقصى الفاسد لأنه فاسد ، بل لأنه خرج عن النسق ولأنه لم يحسن إدارة صمته
ومن هنا ، يمكن فهم لماذا لا تنفجر هذه القنابل دفعة واحدة ، ولماذا لا تستخدم الحقيقة كقيمة أخلاقية مطلقة بل كعملة سياسية ، فالحقيقة في عالم المصالح ليست ما حدث فعلا بل ما يسمح له بالظهور ، ومتى ، وبأي قدر ، ولصالح من ! فالعدالة لا تأتي لأنها عادلة ، بل لأنها مفيدة في لحظة معينة ثم تعاد إلى الأدراج حين تنتهي صلاحيتها ، لذلك يكمن البعد الأكثر قتامة في أن هذه الحروب الخفية لا تخاض بين دول فقط ، بل داخل الأفراد أنفسهم ، فالشخصية المؤثرة أكانت سياسيا أو اقتصاديا أو إعلاميا ، لا تصنع فقط بالكفاءة أو الكاريزما ، بل بمدى قابليتها للاحتواء وللانكسار عند الطلب ، وبهكذا يصبح النفوذ شبكة غير مرئية من الاعتماد المتبادل في ان : الجميع يعرف ، والجميع صامت ، والجميع رهينة للجميع
ليثبت لنا كل ذلك إننا اليوم أمام عالم تدار فيه الأخلاق بمنطق الحساب ، وتختزل القيم إلى أوراق تفاوض ، ويعاد تعريف ” الفضيلة ” بوصفها القدرة على إخفاء العيوب لا تجاوزها ، عالم لا يسأل : ماذا فعلت؟ بل : من يملك الدليل؟ ومتى سيستخدمه ؟ ، وفي النهاية أن أخطر ما تكشفه هذه الملفات ليس أسماء المتورطين ، بل وهم البراءة الجماعية ، ذلك الوهم الذي يجعل الشعوب تعتقد أن ما يعرض عليها هو كل الحقيقة ، وأن ما لا يقال لا وجود له ، بينما الواقع يقول عكس ذلك في أن : ما يخفى هو ما يحكم ، وما يؤجل هو ما يقرر المصائر ، ففي دهاليز النفوذ العالمي لا تكتب القرارات بالحبر بل بالخوف ، ولا تحفظ في الأرشيفات بل في الأدراج المغلقة ، حيث لكل عبور ثمن ، ولكل نفوذ قيد ، ولكل صعود ملف ينتظر لحظة السقوط .



