” امازون ” الصندوق الاسود للراسمالية الجديدة

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في عصر تقاس فيه قيمة الدول بقدرتها على الإنتاج ، وتقاس فيه قوة الإنسان بما يستهلكه لا بما يصنعه ، برزت الشركات العملاقة كأنها أقدار جديدة تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية دون أن نشعر ، حيث لم تعد مجرد مؤسسات تجارية تبحث عن الربح بل تحولت إلى منظومات كاملة تعيد تشكيل الاقتصاد وتفرض إيقاع العمل وتعيد تعريف معنى المنافسة والنجاح ، وبينما ينجذب العالم إلى بريق السرعة والراحة التي تقدمها هذه الكيانات ، تتوارى خلف الواجهة أسئلة ثقيلة لا تطرح كثيرا في : ماهو الثمن الحقيقي لهذا التقدم؟ ومن يدفعه بصمت؟ ، ومن بين أكثر هذه الشركات حضورا وتأثيرا تقف ” أمازون ” كرمز لعصر السوق المتوحش ، شركة صعدت كالصاعقة في زمن قصير حتى باتت جزءا من الحياة الحديثة في التسوق والتجارة والخدمات ، لكن خلف هذا الازدهار المتسارع بدأت تتكشف ملامح أخرى أقل لمعانا وهي ” ضغوط على العمال ، أساليب احتكار ناعمة ، وممارسات تضع الأخلاق الاقتصادية في مواجهة مباشرة مع منطق القوة ” ، وهنا لا يعود الحديث عن شركة واحدة فقط بل عن نموذج كامل يتوسع بلا سقف ويطرح علينا سؤالا جوهريا : هل نحن أمام نجاح اقتصادي ؟ أم أمام شكل جديد من السيطرة باسم الحداثة ؟
فلطالما أسرتنا الشركات الصناعية المعاصرة بتسارعها المحموم في سباق الزمن ، وبقدرتها على مواكبة العصر وتقديم حلول صناعية واقتصادية وتكنولوجية كبرى ، حتى وجدنا أنفسنا نروج لها وننضم بأصواتنا إلى جوقة الترحيب بها ، فنصافحها بحسن نية ونمنحها ثقتنا دون تردد ، غير أن هذا الانبهار الجماعي كثيرا ما يقصي أسئلة جوهرية عن الواجهة ب : كيف ظهرت هذه الشركات؟ وعلى أي أساس نشأت؟ ومن يقف خلفها ؟ والأهم من ذلك : على حساب من صعدت ؟ ، وفي ذروة هذا الاندهاش تتوارى تلك التساؤلات في خدمة رغبة جامحة للمضي قدما في زمن العولمة تحت مظلة كيانات اقتصادية عملاقة باتت تتحكم بإيقاع الحياة المعاصر ، لذلك في الآونة الأخيرة برزت شركة أمازون كأكثر هذه الشركات تسليطا للضوء عليها
هذا الكيان الضخم الذي ارتفعت أسهمه وثروته بسرعة البرق نتيجة تمدد نفوذه الاقتصادي على الساحة العالمية ، غير أن الغوص خلف الكواليس يكشف صورة مغايرة تماما ، فحين نمعن النظر في ممارسات أمازون الداخلية نصطدم بسلسلة من الانتهاكات التي لم يكن يتصور يوما أن تقود إلى هذا المستوى من التجاوز ، فأمازون التي روج لها كإمبراطورية اقتصادية حديثة تتبدى في واقعها كفضاء ضاغط ، يقيد فيه الصوت الإنساني من أجل كسب لقمة العيش وتفرض على العاملين سياسات قاسية من الرقابة والضغط المستمر ، دون اكتراث حقيقي بتبعاتها الأخلاقية أو القانونية
أن التسريبات التي خرجت إلى العلن مؤخرا لم تكن في صالح الشركة مطلقا بل وضعتها في قلب دائرة المساءلة ، فممارساتها التجارية التي تسهم في رفع الأسعار على المستهلكين لم تعد تمر مرور العابرين ، كما أن تهديداتها السرية الموجهة إلى شركات أخرى ومحاولاتها تقويض المنافسين عبر ضغوط هائلة باتت موثقة على ألسنة عاملين سابقين داخل الشركة ، ومن بينهم من شغلوا مواقع حساسة في مجال التفاوض وكشفوا عن نهج ممنهج لسحب البساط من تحت المنافسة تحت غطاء السوق الحر ، أن كل ذلك يشير إلى اختراقات واضحة لقوانين التجارة العالمية ، ويسقط القناع عن شركة تبدو في العلن كفاعل ناعم في سوق منمق بينما تمارس خلف الستار سياسات بعيدة كل البعد عن الرقي الاقتصادي والأخلاقي ، ليدفعنا هذا الواقع إلى قناعة مرة مفادها أن خلف كل شركة كبرى وكل تجارة عالمية ” صندوقا أسودا ” مكتظا بتجاوز القوانين وتطويعها في سبيل اعتلاء قمة النجاح عبر منافسة غير شريفة تقدم للعالم بوجه حضاري زائف ، فلم تعد هذه الممارسات استثناء بل أصبحت سمة راسخة في هذا العصر ، تدار بوسائل أكثر ذكاء وبأدوات أقل وضوحا لكنها لا تقل خطورة عن أشكال الاستغلال القديمة ، سوى أنها اليوم ترتدي قناع الحداثة
وفي النهاية تكشف تجربة أمازون وغيرها من عمالقة السوق المعاصر ، عن حقيقة أكثر عمقا من مجرد تجاوزات تجارية معزولة ، إنها مرآة لنظام اقتصادي عالمي أعيدت صياغته ليكافئ القوة لا العدالة والهيمنة لا التوازن ، فالعولمة التي وعدنا بها كجسر للتقدم المشترك تحولت في كثير من تجلياتها إلى أداة ناعمة لإعادة إنتاج الاستغلال ، تدار بقوانين مرنة تطبق على الضعفاء وتعلق حين تمس مصالح الكبار ، إن الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في شركة بعينها بل في تطبيع هذا النموذج حتى يصبح الانتهاك شرطا للنجاح والصمت ثمنا للبقاء ، وعند هذه النقطة تحديدا لا تعود المساءلة خيارا أخلاقيا فحسب ، بل ضرورة وجودية لإنقاذ معنى العمل وعدالة السوق وكرامة الإنسان في زمن تدار فيه الإمبراطوريات من خلف الشاشات .



