وثائق وحكايات

” عصر اللايقين الاوروبي ” تحول هيكلي في العلاقات العابرة للاطلسي

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في هذا العالم الذي تفككت فيه الثوابت وصار القلق الاستراتيجي قاعدة لا غنى عنها تظهر اوروبا لتصرح اليوم بأنها لم تعد مركز ثقل السياسة الأمريكية ، ليكون هذا التصريح ليس مجرد كلمات دبلوماسية بل إعلان عن نهاية الطمأنينة وإعادة تعريف السيادة والقدرة على القرار في حقبة اللايقين العالمي

فقد صرحت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ، بأن أوروبا لم تعد مركز الثقل الرئيسي في الاستراتيجية الأمريكية ، مؤكدة بذلك أن هذا التحول هيكلي عميق لا ظرفي ولا مؤقت ، ويأتي هذا التصريح في سياق دولي مضطرب ليكشف عن إدراك أوروبي متزايد بأن مرحلة الاتكاء الاستراتيجي على واشنطن قد بلغت حدودها القصوى ، أن أحد أبرز دوافع هذا التصريح يتمثل في تآكل المظلة الأمريكية خلال الحرب في أوكرانيا ، حيث تبين أن أوروبا في مواجهة أزمة وجودية على حدودها الجغرافية ولا تستطيع الاعتماد كليا على الولايات المتحدة ، فقد أعاد التذبذب الأمريكي سياسيا واستراتيجيا طرح سؤال جوهري داخل الدوائر الأوروبية وهو : ماذا لو انسحبت واشنطن فجأة أو غيرت أولوياتها ؟ ، إلى جانب ذلك يشهد النظام الدولي تحولا بنيويا متسارعا ، إذ ينتقل العالم من أحادية قطبية إلى تعدد مراكز القوة مع صعود الصين وعودة روسيا وبروز قوى إقليمية فاعلة ، ومن هنا ادركت أوروبا أن استمرارها كملحق استراتيجي سيجعلها لاعبا هامشيا في معادلات القوة العالمية لا فاعلا مستقلا فيها

الى جانب ذلك كشف الواقع عن فشل الرهان الاقتصادي الأوروبي ، فالقوة الناعمة والتكامل التجاري لم يمنعا اندلاع الحروب ولم يحميا القارة من الابتزاز الطاقي ولم يمنعا تعمق الانقسامات الداخلية ، وهو ما يؤكد أن السياسة حين تفصل عن القوة الصلبة تصبح عاجزة عن حماية المصالح الحيوية ، ولا يمكن من ذلك إغفال الانقسام داخل المعسكر الغربي نفسه ، إذ لم يعد ” الغرب ” كتلة متجانسة ، فقد برز تباين واضح في المواقف من الصين وخلافات عميقة حول إدارة الحرب في أوكرانيا واختلاف في أولويات الأمن والاستراتيجية ، ما زعزع الأسس التقليدية للتحالف الغربي ، ان هذا التصريح في هذا التوقيت يحمل في طياته تلميحات غير مباشرة متعددة ، فهو أولا رسالة دبلوماسية هادئة إلى واشنطن مفادها ” أن أوروبا لم تعد ترى نفسها تابعا استراتيجيا ، بل شريكا يسعى لإعادة التفاوض على قواعد العلاقة لا قطعها ” ، وثانيا رسالة إلى موسكو وبكين تشير إلى أن أوروبا قد تتحول إلى لاعب مستقل ، وأن اختبار ضعفها قد يقابل مستقبلا برد أوروبي مباشر ، أما الرسالة الثالثة فهي داخلية موجهة إلى الدول الأوروبية نفسها ومفادها ” أن المرحلة القادمة ستفرض قرارات غير شعبية ، وتشمل زيادة الإنفاق العسكري ، وتوحيد السياسات الدفاعية ، وقبول تنازلات سيادية في سبيل بناء قوة جماعية فاعلة ”

فتوقيت هذا التصريح ليس اعتباطيا بل هو نتاج تراكم عوامل خطيرة متزامنة من : حرب طويلة في أوكرانيا بلا أفق حاسم ، اضطراب السياسة الأمريكية داخليا وخارجيا ، وصعود قوى دولية لا تعترف بالقواعد الغربية التقليدية ، أن هذا التوقيت يعكس إدراكا أوروبيا بأن نافذة الفعل تضيق وأن التأخر في اتخاذ القرار سيقصي أوروبا من دائرة التأثير في النظام الدولي القادم ، وعلى ذلك تترتب تبعيات جراء هذا التصريح ، تبعيات عميقة على السياسة الدولية ، فعلى مستوى النظام العالمي يسرع هذا التوجه الانتقال نحو عالم متعدد الأقطاب مع تراجع تدريجي للهيمنة الأمريكية دون أن يعني ذلك انهيارها ، وعلى مستوى التحالفات قد يشهد حلف ” الناتو ” تحولا من تحالف تقوده واشنطن إلى شراكة أكثر توازنا مع احتمال بروز سياسة دفاعية أوروبية مستقلة ، أما في مناطق الصراع كالشرق الأوسط وأفريقيا وشرق أوروبا فقد نشهد حضورا أوروبيا أكثر استقلالية وسياسات أقل خضوعا للرؤية الأمريكية

ومن زاوية أعمق يعكس هذا التصريح إعادة تعريف أوروبا لمفهوم السيادة ، فهي لم تعد مجرد حدود جغرافية بل أصبحت قدرة فعلية على اتخاذ القرار والحسم في لحظات الخطر ، في المحصلة لا يقول هذا التصريح إن أوروبا ضد الولايات المتحدة بل يقر بأنها لم تعد قادرة على العيش في ظلها وحدها ، إنه إعلان انتقال من مرحلة الطمأنينة الاستراتيجية إلى مرحلة القلق الاستراتيجي ، والقلق كما يخبرنا التاريخ غالبا ما يكون الشرارة الأولى لتغير موازين القوى في العالم

في النهاية ما تكشفه أوروبا اليوم ليس مجرد تعديل استراتيجي بل اعتراف صامت بانكسار الأمان القديم ، فلم يعد العالم مكانا يمكن توقعه أو التحكم فيه ولم تعد القوة الأميركية وحدها كافية لضمان الاستقرار ، أن أوروبا وعلى الرغم من كل خطواتها تدخل حقبة لا ترضخها التحالفات ولا تضمنها التجارة ، حقبة يسودها التوتر حيث يتصارع صغار وكبار القوى على البقاء قبل النفوذ ، حيث القلق الذي تشعر به أوروبا اليوم ليس صدفة بل إشعار بموت الطمأنينة وإعلان بأن العالم الجديد لن يكون عادلا ولن يمنح أي مكان للمراوغة أو الاتكال على الآخر

أن ما ينتظر أوروبا وما ينتظر العالم ليس مجرد إعادة ترتيب للكرسي على الطاولة الدولية بل رحلة في ظلال القوة والضعف معا ، حيث كل تحرك قد يكون الشرارة الأولى لحرب أو انهيار غير متوقع ، ومن ذلك يظل الدرس المرير هو : أن الاعتماد على الغير والماضي لا يضمن البقاء ، والقلق وحده يصبح المعلم الوحيد في عصر تفكك اليقين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى