في ذكرى ميلاد “الرئيس المنسي”.. محمد نجيب القائد الذي دفع ثمن تمسكه بالديمقراطية

بقلم: محمد عبد اللطيف بدوي
تحل اليوم، التاسع عشر من فبراير، ذكرى ميلاد اللواء محمد نجيب (1901–1984)، أول رئيس لجمهورية مصر العربية والرجل الذي ارتبط اسمه بأخطر منعطف سياسي في تاريخ مصر الحديث. لم يكن نجيب مجرد رتبة عسكرية كبيرة تصدرت المشهد، بل كان “ضمير الثورة” الذي سعى لتحويلها من حركة جيش إلى ديمقراطية مدنية مستدامة.
النشأة الأكاديمية: محارب بمؤهلات قانونية
وُلد محمد نجيب في مدينة الخرطوم عام 1901، ونشأ في بيئة عسكرية صلبة، إلا أنه تميز عن أقرانه بجمع الثقافة العسكرية مع التكوين القانوني؛ حيث حصل على ليسانس الحقوق بجانب تخرجه في الكلية الحربية. هذه الخلفية القانونية هي التي شكلت لاحقاً رؤيته لشكل الدولة المصرية ومستقبل الحكم فيها.
أيقونة حرب فلسطين وشرارة “الضباط الأحرار”
اكتسب نجيب شهرته الحقيقية في ميدان القتال خلال حرب فلسطين عام 1948، حيث أُصيب عدة مرات وبرز كقائد شجاع يحظى بحب الجنود والضباط. هذه الشعبية هي التي جعلت تنظيم الضباط الأحرار يختاره ليكون واجهة لحركتهم في 23 يوليو 1952، ليمنح الثورة وزناً وشرعية أمام الشعب والمجتمع الدولي.
صراع “المرج”: عندما اختلف الرئيس مع مجلس الثورة
في 18 يونيو 1953، أصبح نجيب أول رئيس لمصر عقب إلغاء الملكية، لكن فترته شهدت صراعاً حاداً مع جمال عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة. تركز الخلاف حول نقطة جوهرية:
- رؤية نجيب: ضرورة عودة الجيش إلى الثكنات، وإعادة الحياة النيابية والديمقراطية فوراً.
- رؤية عبد الناصر: ضرورة استمرار “الوصاية” العسكرية لفترة انتقالية لتثبيت أركان النظام.
انتهى هذا الصراع بعزل نجيب عام 1954 ووضعه تحت الإقامة الجبرية في “فيلا المرج” لثلاثة عقود، غُيب فيها عن الذاكرة الرسمية، لكنه ظل حاضراً في وجدان المحبين للحرية.
مذكراته ورد الاعتبار: “كنت رئيساً لمصر”
لم يخرج نجيب من عزلته إلا في عهد الرئيس أنور السادات، ليعيد كتابة التاريخ من وجهة نظره في مذكراته الشهيرة “كنت رئيساً لمصر”. عرض في الكتاب رواية مغايرة لأحداث الثورة، كاشفاً عن خبايا الصراعات التي أعقبت رحيل الملك فاروق. وتوفي في عام 1984، لتودعه مصر رسمياً وتستعيد ذكراه كرمز للوطنية والنبل العسكري.
يظل محمد نجيب الشخصية المحورية التي تفتح باب التساؤل دائماً: كيف كان سيكون شكل مصر اليوم لو انتصرت رؤية نجيب المدنية في الخمسينيات؟



