التضامن: قيمة إنسانية تُعزّز قوة المجتمعات وتُرسّخ معاني الأخوّة

كتبت ـ داليا أيمن
يُعدّ التضامن من أسمى القيم الإنسانية التي تقوم على الاتحاد والتكافل بين أفراد المجتمع، وهو تعبير صادق عن شعور الإنسان بغيره، وسعيه لمساعدته دون تمييز على أساس العِرق أو الدين أو اللون أو الانتماء. وقد تكررت الدعوات إلى التضامن في المؤتمرات الدولية والقوانين العالمية، تأكيدًا لأهميته في مواجهة الفقر، والظلم، والجوع، والكوارث، باعتباره قوة جماعية تحمي المجتمعات وتمنحها القدرة على الصمود.
فالتضامن في جوهره هو أن يكون المجتمع كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضًا، وأن يشعر الفرد بأنّه ليس وحيدًا في مواجهة تحديات الحياة.
ثانيًا: مفهوم التضامن وحدوده
التضامن هو سلوك إنساني نبيل يقوم على مساعدة المحتاج، ونصرة المظلوم، والتخفيف من معاناة الآخرين، وهو لا يعني أبدًا التعاون على الظلم أو الخطأ. فمساندة الظالم في ظلمه أو مساعدة الغشّ والفساد لا تُعد تضامنًا، بل هي مشاركة في الأذى. لذلك فالتضامن قيمة نسبية، يُقاس بمدى ارتباطه بالخير والعدل والإنسانية.
ثالثًا: أنواع التضامن وكيفية تحقيقه
تتعدد صور التضامن بتعدد حاجات الإنسان والمجتمع، ومن أبرز أنواعه:
1. التضامن النفسي
وهو أكثر أشكال التضامن شيوعًا، ويتمثل في تقديم الدعم المعنوي، والاستماع للآخرين، ومشاركتهم همومهم وآلامهم. ويكون هذا النوع على نطاق ضيق بين الأسرة والأصدقاء، أو على نطاق واسع بين الشعوب، مثل التضامن مع قضايا النساء والأطفال، أو مع القضايا العادلة كالقضية الفلسطينية من خلال الدعم المعنوي والدعاء والمواقف المساندة.
2. التضامن السياسي
يظهر من خلال مواقف الدول الداعمة لقضايا عادلة، أو من خلال التحالفات والمساندات السياسية لرفع الظلم عن الشعوب. وقد برز هذا النوع جليًا خلال الأزمات العالمية، مثل جائحة كورونا، حيث تعاونت الدول فيما بينها لتقديم الدعم والمساعدات.
3. التضامن الاقتصادي
ويتجلى في مساعدة الفقراء والمحتاجين ماديًا، سواء على مستوى الشعوب أو الأفراد. ويشمل:
التضامن الواسع: عبر إرسال المساعدات الغذائية والطبية للدول المتضررة من الحروب أو الكوارث.
التضامن الضيق: من خلال توفير فرص عمل، أو إنشاء مشاريع صغيرة لدعم أصحاب الدخل المحدود.
4. التضامن الاجتماعي
وهو الإطار الأشمل، حيث يتكافل أفراد المجتمع ماديًا ومعنويًا، فيكونون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
رابعًا: موقف الإسلام من التضامن
جاء الإسلام داعيًا بقوة إلى التضامن، وقد جسّد النبي محمد ﷺ هذا المبدأ عمليًا في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، حيث تقاسموا المال والمأوى والعيش، في صورة فريدة من التضامن الاجتماعي والاقتصادي والنفسي. وهذا يؤكد أن التضامن قيمة أصيلة في الدين الإسلامي، تقوم على الرحمة والتكافل ونبذ الأنانية.
خامسًا: أهمية التضامن على الفرد والمجتمع
تنبع أهمية التضامن من آثاره الإيجابية العميقة، ومن أبرزها:
تعزيز التماسك الاجتماعي ونشر روح المحبة.
الحدّ من الأنانية وترسيخ قيم الإيثار.
دعم الاستقرار النفسي للفرد والشعور بالأمان.
تقوية العلاقات بين الشعوب والمجتمعات.
تشجيع العمل الجماعي داخل المؤسسات والمجتمعات.
فالتضامن يحرر الإنسان من سجن الذات، ويجعله شريكًا في بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية.
يُعدّ التضامن من أعظم القيم الأخلاقية التي إن تحلّى بها الإنسان ارتقى بنفسه ومجتمعه. وهو دليل على بقاء الخير في النفوس، ورسالة طمأنينة لكل إنسان بأنّ هناك من يشعر به ويسانده دون انتظار مقابل. وما دامت الأيادي ممدودة للمساعدة، فإن الإنسانية بخير، والمجتمعات قادرة على تجاوز المحن وصناعة الأمل.



