لايت
أخر الأخبار

الناقد الكويتي عبد الستار ناجي يستعرض مسيرة الدراما المصرية من خلال مسلسل ‘صحاب الأرض’

 

كتب/مدحت غنيم

يُعد مسلسل “صحاب الأرض” نموذجًا فنيًا رفيع المستوى للدراما التلفزيونية التي توثق الذاكرة الجمعية للشعوب، ويشكل نقطة تحول مهمة في تاريخ الدراما العربية المعاصرة.

العمل يتجاوز حدود الترفيه ليصبح وثيقة بصرية وحقوقية، تعكس صمود الشعب الفلسطيني ومعاناته في مواجهة آلة القتل والتهجير، مسلطًا الضوء على جذور الصراع وألم غزة الأبية.

يتجلى الإبداع المصري في العمل من خلال الصنعة التقنية والمكانية التي تجعل المشاهد يغوص في أزقة وشوارع غزة، رغم أن التصوير تم بالكامل داخل مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر. تمكن مهندسو الديكور ومنفذو المواقع من إعادة بناء بيئة غزة بكل تفاصيلها الواقعية، من آثار القصف إلى البيوت القديمة، ما أعطى المسلسل مصداقية بصرية هزت مشاعر المشاهدين وجعلهم يعيشون مأساة “صحاب الأرض” لحظة بلحظة.

قدمت النجمة منة شلبي واحدًا من أصعب أدوارها، متخلية عن أدوات النجومية التقليدية لتذوب في شخصية المرأة الفلسطينية الصابرة، معبرة بعينيها عن مزيج الانكسار والإباء. أما الفنان إياد نصار، فقد قدم أداءً عميقًا ومتزنًا يعكس صراع الإنسان بين البقاء والتضحية، بينما أضفى الممثل الفلسطيني كامل الباشا حضورًا واقعيًا يكرس مفهوم “صاحب الأرض” في وجه الرياح العاتية.

قاد المخرج بيتر ميمي هذه الملحمة بإبداع استثنائي، محققًا توازنًا بين مشاهد المعارك والتفجيرات المصممة بحرفية هوليوودية، والمشاهد الإنسانية الصامتة التي تخاطب الروح. كما أضفت المؤثرات البصرية والجرافيكس، بإشراف محمد كنطاوي وأحمد شحاته، بعدًا عالميًا على العمل، بينما أبدع أمين أبو حافة في الموسيقى التصويرية التي جمعت بين الألم والعزيمة لتصبح لغة موسيقية مؤثرة.

أثار “صحاب الأرض” جدلاً واسعًا بجرأته في كشف زيف الروايات المعادية واستعراض أحداث واقعية مؤلمة، مثل استهداف المستشفيات والمدارس والعائلات المشطوبة من السجل المدني. المسلسل ركز على فكرة “الأرض كعقيدة”، حيث يتحول الحجر في يد الطفل إلى رمز للصمود، وتظل مفاتيح البيوت القديمة علامة على الإرث الوطني المستمر عبر الأجيال.

يعتبر “صحاب الأرض” انتصارًا للصناعة المصرية وللضمير العربي، مؤكدًا أن الدراما حين تمتلك القضية والرؤية تتحول إلى سلاح أقوى من الرصاص. المسلسل نجح في تقديم ملحمة ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال، مذكّرًا أن غزة، رغم حصارها الجغرافي، تسكن في قلب كل مبدع يؤمن بحق الإنسان في العيش بكرامة فوق ترابه الوطني.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى