اخلاقنا

العطاء الذي يُولد من المنع.. حين يكون الحرمان هو أسمى أشكال الهِبة!

كتبت ـ داليا أيمن

 

في زمنٍ تلاشت فيه القيم وتبدلت فيه الموازين، يبقى العطاء بلا مقابل هو النور الذي يضيء العتمة، وتبقى القلوب الطيبة التي تُحسن بلا انتظار الشكر هي الدليل على أن الخير ما زال يسكن بيننا.

إن العطاء ليس مجرد هدية تُمنح، بل روح تُبثّ في الآخرين دون انتظار ردّ الجميل، وهو سلوك فطري لا يتصنّعه أصحاب القلوب النقية الذين نشأوا عليه، فيمدّون أيديهم بالحب لا بالمصلحة، وبالخير لا بالمنّة.

العطاء الذي يُختبَر بالبلاء:

قد يظن الإنسان أن العطاء لا يكون إلا بالأخذ أو المنح المادي، لكنه في الحقيقة قد يكون في المنع ذاته، لأن الله تعالى قد يمنع شيئًا ظاهره الحرمان، وباطنه الرحمة والعطاء الخفي.

وقد لخّص ابن عطاء الله السكندري هذه الحكمة بعبارته الخالدة:

ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء.”

هكذا يتجلّى الفهم الحقيقي للعطاء حين نُدرك أن البلاء ليس سوى طريقٍ طويلٍ نحو عطاءٍ أعظم، وأن ما يُؤخّره الله عنّا اليوم، إنما يُخبّئ لنا به خيرًا لا يُقاس.

من مدرسة الصبر.. نبي الله أيوب عليه السلام:

من بين أعظم القصص التي تجسّد هذا المعنى قصة نبي الله أيوب عليه السلام، الذي صبر سبع سنوات على البلاء دون أن يتذمّر أو يشتكي، بعد أن فقد ماله وأولاده وصحته، وبقي يحمد الله في كل حال.

حين قالت له زوجته أن يدعو الله ليرفع عنه البلاء، أجابها: “لقد كنت في نعمة من الله سبعين عامًا، أفلا أصبر عليه سبعين سنة أخرى؟”

يا له من أدبٍ مع الله وحياءٍ عظيم من الدعاء!

وحين بلغ به البلاء منتهاه، رفع أكفّ الدعاء وقال بأدبٍ جمّ{أني مسّني الشيطان بنصبٍ وعذابٍ}.

فاستجاب الله له وردّ عليه عافيته وماله وأهله، مضاعفًا له النعم بعد صبرٍ طويل.

لقد كان المنع في حياته هو العطاء بعينه، لأن الله أراد أن يكرّمه بصبرٍ يهزم به الشيطان، ويخلّده مثالًا للثبات والإيمان عبر الزمان.

حين يُصبح المنع نعمة:

المنع لا يعني دائمًا الحرمان، بل قد يكون وسيلة لتأديب القلب وتطهير النفس وتوسيع البصيرة.

كم من شيءٍ تمناه الإنسان ثم اكتشف بعد حين أن الله لم يمنعه إلا رحمةً به!

فالعطاء ليس دائمًا في الزيادة، بل أحيانًا في المنع من الزيادة.

إنها دروس من رحمة الله الخفية التي لا يراها إلا الصابرون الذين أُوتوا الفهم في المنع.

الطيبون الذين يُتقنون فن العطاء:

في كل زمانٍ ومكان هناك أناسٌ لا زالوا يُعطون دون أن يُطلب منهم، يمدّون أيديهم بالخير في كل اتجاه، يزرعون البسمة في القلوب، ويُعيدون الإيمان بأن الخير لم يمت بعد.

هؤلاء لا يعرفون حسابات المكسب والخسارة، لأنهم يعيشون بالعطاء، ويجدون سعادتهم في إسعاد غيرهم.

هم الذين يملكون القلوب البيضاء التي لا تعرف إلا البذل، والوجوه التي لا تنتظر كلمة “شكرًا” لتشعر بالرضا.

الإنسان الوفي لا يندم على العطاء، لأنه يُعطي لله لا للبشر.

العطاء الحقيقي لا يُقاس بالكمّ، بل بالنية الصافية التي وراءه.

قد يُقابل الإحسان بالجحود، لكن الكريم لا يغيّر طبعه مهما لاقى من خذلان، لأن العطاء عنده سجية لا مصلحة، وطبع لا تصنّع.

فمن تأصّل فيه الكرم عاش كريمًا ومات كريمًا، وترك أثرًا لا يُمحى في قلوب الناس وفي ميزان حسناته عند الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى