لعنة الكرسي أم غضب الشارع؟ كواليس الثورة البيضاء التي خلعت أول رئيس للبنان وأخفت اسمه من الميادين

بقلم : هند الهواري
لبنان.. ذاك البلد الذي لا ينام إلا على صدمة ليستيقظ على ثورة، وكأنه كُتب عليه أن يعيش في مخاض سياسي دائم منذ لحظة ولادته. ففي بلد “الأرز” الذي يُقدس زعماءه، ثمة لغز محير يحيط باسم بشارة الخوري أول رئيس للجمهورية بعد الاستقلال. فبينما تُرفع صور الزعماء في كل زقاق، يظل اسم الرجل الذي صنع استقلال لبنان غائباً عن الميادين الرسمية، وكأن التاريخ قرر أن يعاقبه على “خطيئة” لم يرتكبها بيديه، بل باركها بصمته.
الحكاية تعود إلى عام 1952، حينما تحول لبنان إلى قدر يغلي بسبب الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة، ليس بسبب الخوري نفسه، بل بسبب الحاشية والأقارب الذين أحاطوا بالرئيس وحولوا العهد إلى مرتع للمحسوبية. وفي لحظة فارقة، تشكل حلف استثنائي جمع المتناقضات؛ حيث تكاتف كميل شمعون مع كمال جنبلاط، وقادوا الشارع في ثورة بيضاء كانت ترفع شعاراً واحداً، ارحل .
المثير في تلك الدراما السياسية هو موقف الجيش؛ فحين طُلب من اللواء فؤاد شهاب قمع المتظاهرين، رفض الرجل أن يلطخ يد العسكر بدم الشعب، تاركاً الرئيس وحيداً أمام عاصفة الغضب.
لم يكن السقوط مجرد رحيل شخص، بل كان مخاضاً عسيراً لولادة الجمهورية الثانية، حيث شهدت كواليس البرلمان تنازلاً نبيلاً من حميد فرنجية لمنافسه كميل شمعون حقناً للدماء، ليبدأ لبنان عصراً جديداً وُصف بالذهبي ، لكنه لم يخلُ من صراعات الزعامات التي لا تنتهي. هي قصة بلد أثبت فيها الشارع أن شرعية الإستقلال لا تعني صكاً بياضاً للحكم للأبد.



