مصر مباشر - الأخبار

 مشهد ما بعد الحرب: حضور المقاومة وغياب السلطة

بهاء النجريدي: أستاذ بحوث الإعلام والقانون 

 

حين غابت السلطة !!

وتقدّمت المقاومة إلى طاولة القرار 

 

بين أنقاض غزة ووجع الحرب، تتبدّل الموازين وتنكشف الحقائق ،، المقاومة التي صمدت في الميدان باتت اليوم على طاولة القرار، بينما انسحبت السلطة من المشهد طوعًا، لتترك فراغًا أخلاقيًا وسياسيًا عجزت عن ملئه منذ سنوات.

هذه ليست مجرد جولة مفاوضات جديدة، بل فصل حاسم في معركة التمثيل الوطني الفلسطيني: من يمثل الشعب فعلًا، ومن تخلّى عنه في لحظة المصير؟

فبين ركام البيوت المهدّمة وأنين الجرحى وصمود من تبقّى، اجتمع قادة المقاومة الفلسطينية — من الجبهة الشعبية، وحركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي — يناقشون خرائط الانسحاب الإسرائيلي من غزة.

كانت الصورة واضحة: المقاومة على الطاولة، والسلطة خارج القاعة إنها لحظةٌ مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، كشفت عمق التحوّل في ميزان القوى داخل المشهد الوطني.

ففي الوقت الذي يقدّم فيه المقاومون رؤيتهم لمستقبل غزة بعد الحرب، اختارت السلطة الفلسطينية وفتح الغياب عن مفاوضات شرم الشيخ بإرادتها، بحجة أنها “لا تريد إغضاب” حكومة نتنياهو وسموتريتش. قرارٌ يعكس مأزقًا سياسيًا وأخلاقيًا عميقًا لدى السلطة، التي بدا وكأنها تفضّل الوقوف في الخندق المقابل لشعبها بدل الاصطفاف معه.

السلطة من شعار النضال إلى غياب الدور

لطالما قدّمت السلطة نفسها باعتبارها “قائدة النضال الدبلوماسي والتفاوضي”، لكنها اليوم غابت عن أهم محطة سياسية بعد الحرب، لتُثبت أنها فقدت حتى هذا الدور الرمزي.

في لحظةٍ كان فيها الحضور واجبًا وطنيًا ، تصدرت مصر العروبة وقطر وتركيا ومفاوضي المقاومة التفاوض الوطني ، آثرت السلطة الصمت، مانحةً الاحتلال فرصة ذهبية لترسيخ روايته القائلة إن المقاومة لا تمثّل كل الشعب الفلسطيني.

هذا الغياب لا يمكن اعتباره سوء تقدير فحسب، بل هو اصطفاف سياسي واضح يُعبّر عن أزمة هوية داخل بنية السلطة نفسها. فهي اليوم لم تعد تمثّل تطلعات الفلسطينيين ولا حتى خطابهم السياسي، بل تحوّلت إلى كيانٍ بيروقراطي يحرص على رضا الاحتلال أكثر مما يحرص على الدفاع عن الأرض والشعب.

الشرعية تُنتزع من الميدان لا من المكاتب

إنّ من يتخلّى عن واجبه في لحظة الحقيقة، لا يملك شرعية الحديث باسم الشعب بعد اليوم ،،، فالشرعية الوطنية لا تُمنح، بل تُنتزع بالموقف والمبدأ وبالثمن الذي يُدفع دفاعًا عن الوطن.

اليوم المقاومة لا تنتظر اعترافًا دوليًا ولا تصريحًا رسميًا لتثبيت شرعيتها، فقد كسبت ذلك في الميدان، حيث أثبتت أنها تمثّل نبض الشارع وتحمل وجع الناس. وفي المقابل، لم يعد لدى السلطة ما تقدّمه سوى مزيدٍ من الغياب والتبرير.

زمن تغيّر وواقع جديد يتشكّل

لقد تغيّرت معادلات القوة في المشهد الفلسطيني، غزة التي نزفت طويلًا أصبحت مركز القرار الوطني، والمقاومة التي كانت تُحاصر في الأنفاق أصبحت تُستدعى إلى طاولات المفاوضات الدولية.

أما السلطة، فقد غابت عن الحدث كما غابت عن الضمير، لتثبت أن من يخشى إغضاب العدو لا يمكن أن يكون صوت الشعب.

وحين يُكتب تاريخ هذه المرحلة، سيُقال إن الذين جلسوا على طاولة المقاومة كانوا يمثلون فلسطين الحقيقية، بينما من غابوا عنها كانوا يمثلون أنفسهم فقط.

في السياسة كما في الميدان، لا مكان للحياد حين يكون الوطن هو القضية الزمن الذي كانت فيه السلطة تتحدّث باسم الفلسطينيين دون تفويض شعبي قد انتهى، والميدان اليوم هو من يمنح الشرعية لا المكاتب ولا المؤتمرات.

لقد قالت غزة كلمتها بالدم والصبر، وأثبتت المقاومة أنها ليست خيارًا طارئًا، بل حقيقة وطنية راسخة لا يمكن تجاوزها ،،، أما من اختار الغياب، فليعلم أن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، وأن من خذل شعبه في ساعة الحقيقة سيبقى شاهدًا صامتًا على ميلاد زمنٍ جديد تُكتب فيه الشرعية بالنضال… لا بالتواقيع.

في الختام

إنّ ما جرى في 7 أكتوبر لم يكن مغامرة ولا اندفاعًا عابرًا، بل كان صرخة وعي وتاريخ، وفعلاً وُلد من رحم الاحتلال والحصار، ليعيد البوصلة إلى وجهتها الصحيحة: تحرير الأرض والمقدسات.

تلك العملية لم تكن نهاية طريق، بل بداية مرحلة جديدة، عنوانها أن القدس والأقصى ليسا بندًا في تفاوض، بل جوهر القضية وروح المقاومة ،،،، ومن غابت عنه السلطة حضر فيه الشعب، ومن سكت فيه العالم، نطقت غزة بدمها لتقول: إننا باقون حتى التحرير.

7 أكتوبر بين الضحية والجلاد !!!

اتفقنا أم إختلفنا … ولفظاعة وشدة الأحداث وفداحتها ،، إلا إنّ أحداث 7 أكتوبر 2023 لم تكن مجرد انفجار لحظة، بل كانت صدمة تاريخية أعادت للقضية الفلسطينية نبضَها العالمي ،،، أعادت القضيةَ إلى ساحة الضمير، وفتحت أبواب النقاش القانوني والإنساني والسياسي.

لكنّ هذا الزخم وحده لا يكفي: لكي تكون 7 أكتوبر “قبلة حياة” حقيقية لتحرير الأرض والأقصى، يجب أن تُترجم هذه العودة إلى خارطة طريق سياسية موحّدة: تحريرٌ يدمج العمل الدبلوماسي مع الضغط الدولي، دعم الشعب الفلسطيني بحماية إنسانية، وحشدٌ شعبيّ ودوليّ يضع تحرير الأرض والأقصى كهدف استراتيجي لا مجرّد حنينية رمزية.

فقط حين تتحوّل الغضبة والاهتمام إلى برنامج عملي متواصل — يُترجم أوراقًا دولية إلى واقع على الأرض — تصبح الحادثة فاتحةً جديدةً للتحرير، لا ذكرى صادمة فحسب.

الصورة القاتمة للإحتلال في ظل الإخفاقات العسكرية والسياسية للوبي الصهيوني …

وعليه تتزايد في إسرائيل الأصوات التي تعترف بفشل الحرب على غزة وتراجع صورتها عالميًا ،،،، فقد أقرّ مسؤولون ومحللون إسرائيليون بأن الحرب تحولت من “مبرّرة” إلى “غير شرعية”، وأن صورة إسرائيل تنهار في الرأي العام الدولي، بينما يحقق الفلسطينيون مكاسب سياسية أبرزها طرح قيام دولة فلسطينية في الأمم المتحدة ،،، كما يرى مراقبون أن حماس ستبقى كفكرة راسخة رغم الضربات، وسط غضب داخلي من الحكومة بسبب الإخفاقات والتجاهل لعائلات القتلى ،،، وفي ظل هذا المناخ، تتسع حالة الإحباط داخل إسرائيل، مع اعتراف غير مسبوق بأن “لا نصر مطلقًا” في غزة.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى