” عالم بارد وقلوب ترفض الانكسار”

كتبت / دعاء هزاع الجابري
هناك لحظات في حياة الإنسان لا يشعر فيها بأن الدنيا تغيرت فجأة ، بل يكتشف بهدوء أنها لم تعد تشبه ما كان يعرفه يوما ، فيمشي في الطرق ذاتها ويرى الوجوه نفسها ، لكن شيئا خفيا قد تغير ، شيء لا يرى بل يحس ، كأن الدفء انسحب من العلاقات وكأن المعاني القديمة أصبحت مجرد ذكريات
فلم تعد الطيبة تقابل بالطمأنينة ، ولا الصدق يستقبل بالثقة ، اصبح الحذر لغة التعامل واصبحت المسافات أكبر حتى بين القلوب القريبة ، حيث في زمن مضى كان الإنسان يطمئن للكلمة ويؤمن بالوعد ويمنح مشاعره دون خوف ، أما اليوم فقد أصبح العطاء مخاطرة والصدق استثناء والنقاء أمرا نادرا
أن الدنيا لم تتغير في شكلها ، لكنها تغيرت في روحها ، وفي عمق هذا التحول الصامت ينمو داخل الإنسان شعور غريب ، ليس حزنا على شخص بعينه ولا على علاقة انتهت بل حزن على زمن كان أبسط ، وعلى مشاعر كانت أكثر صدقا ، فيشعر وكأن العالم أصبح مكانا سريعا ، عمليا ، باردا ، مكانا لا ينتظر القلوب الطيبة ولا يلتفت إلى المشاعر الصادقة ، ومن هنا يبدأ السؤال الداخلي ، ذلك السؤال الذي لا يقال بصوت عال وهو : إلى أين ذهبت البساطة؟ أين اختفى الوفاء؟ وكيف أصبح العالم مزدحما بالناس وفقيرا بالمحبة؟ ، لكن وسط هذا الإدراك المؤلم يولد فهم أعمق للحياة
فالدنيا لم تكن يوما مكانا ثابتا ولا الناس على حال واحدة ، لأن التغير قانونها والخذلان جزء من دروسها والخسارة إحدى لغاتها الصامتة ، وما يبدو قسوة اليوم قد يكون بابا لنضج لم يكن ممكنا من قبل ، فمع كل خيبة يتعلم القلب أن يرى بوضوح ، ومع كل تجربة يفهم الإنسان أن القيمة الحقيقية ليست في عدد من بقوا حوله بل في قدرته على البقاء كما هو دون أن يفقد إنسانيته ، فقد تصبح الدنيا أقل دفئا وقد يقل فيها الصادقون ، لكن المعنى الحقيقي لا يكمن في قسوة العالم بل في القدرة على أن تبقى مختلفا عنه ، وأن تظل وفيا في زمن المصالح ، وصادقا في زمن الأقنعة ، ونقيا في عالم تعلم أن يخفي أكثر مما يظهر ، فربما لم تخلق الحياة لتكون عادلة دائما لكنها تمنح كل إنسان فرصة واحدة لا تعوض في أن يختار نوع القلب الذي يريد أن يعيش به ، وعندما يدرك الإنسان ذلك يتغير السؤال في داخله ، فلا يعود يتساءل : لماذا تغيرت الدنيا؟ بل يبدأ بالسؤال الأهم : كيف أحافظ على نفسي رغم كل ما تغير؟ .



