لايت
أخر الأخبار

“حتى شروق الشمس” في مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. ديستوبيا تُعيد تعريف القمع كحياة يومية مقبولة

 

كتبت / آية سالم

في إطار فعاليات الدورة الثانية عشرة من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، قدّم المخرج محمد بدير فيلمه المصري القصير “حتى شروق الشمس”، في عمل بصري وفكري يغوص في عالم ديستوبي قاسٍ، يعيد تفكيك علاقة الإنسان بالسلطة والخضوع داخل منظومة تبدو طبيعية لكنها في جوهرها مُحكمة الإغلاق.

ينطلق الفيلم من فكرة صادمة: عالم يربي أبناءه ليأكلهم، في استعارة رمزية تعكس دورة وجودية لا تعتمد على العنف المباشر بقدر ما ترتكز على التطبيع مع القسوة، وإعادة إنتاج الإنسان كجسد قابل للاستهلاك داخل نظام لا يمنح فرصة للتمرد إلا باعتباره خللاً.

اعتمد محمد بدير على بناء بصري كثيف، حيث تتحول الصورة إلى عنصر قمعي بحد ذاتها؛ تكوينات ضيقة وأجساد محاصرة خلف الأسلاك، لا تقدم شخصيات فردية بقدر ما تذيبها داخل كتلة بشرية فاقدة للتمايز. الكادر السينمائي لا يكتفي بتحديد المكان، بل يتحول إلى قفص بصري يفرض مصير الشخصيات ويختزل حريتها.

كما لعبت إضاءة محمود الخولي دورًا محوريًا في تعزيز هذا العالم، حيث جاءت الإضاءة ساطعة لكنها خالية من الدفء، لتخلق تناقضًا بين الوهج الظاهري والقسوة الكامنة.

طقوس الأم ظهرت كلوحات شبه دينية، توحي بالاحتفاء بينما تخفي في جوهرها فعل الخضوع، في حين يتوهج العجوز بإضاءة احتراقية تعكس نهايته كـ“مصير” أكثر من كونه شخصية.

ويطرح الفيلم رؤية معقدة للسلطة، حيث لا تأتي في صورة قمع مباشر؛ فالأم تشارك في ترسيخ النظام كجزء منه، والرجل ذو البذلة يمارس سلطته من خلال الاختيار والمسافة، بينما يمثل العجوز ذروة الاستهلاك الإنساني في صورته النهائية.

على مستوى البناء الدرامي، لا يعتمد الفيلم على تصاعد تقليدي للأحداث، بل على تراكم تدريجي للإحساس بالاختناق، وصولًا إلى انفجار يبدو حتميًا لكنه ليس بطوليًا، بل نتيجة متأخرة لعالم أُغلق على نفسه.

وفي ذروته اللونية، يتحول الأحمر إلى لغة بصرية تتجاوز دلالته الدموية، ليصبح تعبيرًا عن النظام ذاته. أما النهاية، فتأتي بلا أي عزاء أو خلاص، مؤكدة أن الانهيار لم يبدأ عند الفعل، بل عند لحظة تقبل الخضوع كخيار ممكن.

ويطرح “حتى شروق الشمس” رؤية فلسفية قاسية حول الاستمرار أكثر من القمع نفسه، في عالم لا يسقط بسبب عنفه، بل لأنه مُقنع بما يكفي ليُعاش من الداخل دون مقاومة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى