بين جوع الأمعاء وقسوة الأسفلت.. حكاية طفلين في بشتيل ينامان في أحضان “القمامة”.

بقلم / ياسر الدشناوى
في زاوية منسية من شارع “المزرعة” بمنطقة بشتيل التابعة لمحافظة الجيزة، وتحديداً حيث تتقاطع قسوة الظروف مع غياب الرقابة، استيقظ ضمير السوشيال ميديا على “فاجعة إنسانية” تجسدها صورة طفلين لم يتجاوزا ربيع العمر، يفترشان التراب ويلتحفان السماء. مأساة “طفلي بشتيل” ليست مجرد صورة عابرة، بل هي جرس إنذار يدق في وجه المجتمع والمؤسسات المعنية، لتسليط الضوء على ظاهرة أطفال الشوارع التي تنهش في جسد الوطن.
مأساة خلف الأبواب المفتوحة: أم هجرت وأب في “عالم آخر”
تواترت شهادات أهالي المنطقة كاشفة عن كواليس تدمي القلوب؛ حيث أكد شهود عيان أن هؤلاء الصغار وقعوا ضحية “تفكك أسري” حاد. فالأم، التي يُفترض أن تكون حصن الأمان، سلكت طريق الهجر وتركت طفليها لمصير مجهول، بينما الأب يقبع في حالة ذهول وتيه دائم بجوار أكوام النفايات، تاركاً فلذات كبده يواجهون “غيلان الشارع” بمفردهم، لا يملكون سوى أجساد نحيلة أنهكها الجوع والعطش وضياع الهوية.
انتفاضة “القلوب الرحيمة”: متطوعون يتسابقون للإنقاذ
بمجرد انتشار الصورة، تحولت صفحات “فيسبوك” إلى غرفة عمليات إنسانية. “سآخذهم إلى بيتي فوراً”، “أنا مستعد لرعايتهم حتى يقضي الله أمراً”.. هكذا جاءت تعليقات المواطنين الذين استبزهم المشهد. المتطوعون والنشطاء لم يكتفوا بالدعاء، بل بدأت حملات منظمة لمطالبة “خط نجدة الطفل” (16000) بالتحرك الميداني. المواطنون أكدوا أن الموقف تجاوز حدود “البوستات”، وأصبح يتطلب تدخلاً أمنياً واجتماعياً سريعاً لإيداع الطفلين إحدى دور الرعاية المؤهلة قبل أن تفتك بهما الأمراض أو تجار البشر.
المسؤولية القانونية والاجتماعية: أين دور التضامن؟
تعيد هذه الواقعة طرح التساؤلات الصعبة حول دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية في مصر. ورغم الجهود المبذولة، إلا أن البيروقراطية أو “الخوف من المسئولية” أحياناً يعيقان إنقاذ حالات مشابهة. المتابعون للواقعة طالبوا بضرورة تسهيل إجراءات دمج هؤلاء الأطفال في مؤسسات الدولة، مؤكدين أن حق هؤلاء الصغار في “مأوى آمن، ووجبة مشبعة، وتعليم مناسب” هو التزام دستوري لا يقبل التأجيل، خاصة في ظل وجود كوادر ومؤسسات كبرى هدفها الأول هو “إنقاذ إنسان”.
مناشدة عاجلة لوزيرة التضامن ومحافظ الجيزة
من هنا، ومن منطلق الأمانة الصحفية، نرفع هذا الملف إلى مكتب الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، واللواء محافظ الجيزة، لسرعة توجيه فرق “التدخل السريع” لشارع المزرعة ببشتيل. إن بقاء هؤلاء الأطفال لليلة أخرى في الشارع هو وصمة عار لا تليق بمجتمع يسعى لبناء “جمهورية جديدة” تضع كرامة المواطن فوق كل اعتبار. البطل الصغير وأخوه ينتظران “يداً حانية” تنتشلهما من ضياع الأرصفة إلى أمان البيوت.



