لايتمصر مباشر - الأخبار

مصر في العمق الأفريقي.. ريادة تاريخية، شراكة تنموية، وآفاق واعدة

بقلم : عبدالباقي عزوز

لطالما كانت القارة الأفريقية لمصر ليست مجرد امتداد جغرافي، بل هي عمق استراتيجي، وتاريخ مشترك، وشريان حياة يمتد عبر آلاف السنين. فالهوية الأفريقية لمصر هي مكون أصيل في وجدان الدولة المصرية، حيث تشابكت المقادير والمصالح منذ فجر التاريخ لتجعل من مصر قلب نابض في جسد القارة السمراء.

الريادة المصرية في أفريقيا بين أصالة الماضي ومعاصرة الحاضر

تاريخياً، قادت مصر قارتها في مراحل فارقة؛ ففي منتصف القرن الماضي، تحولت القاهرة إلى عاصمة لحركات التحرر الأفريقي، وقدمت الدعم الكامل لدول القارة للتخلص من الاستعمار ونيل استقلالها، ساهمت خلالها في تأسيس “منظمة الوحدة الأفريقية” (الاتحاد الأفريقي حالياً) عام 1963، لترسخ مكانتها كشقيقة كبرى تحرص على وحدة ومصير القارة.

أما في العصر الحديث، وتحديداً منذ عام 2014 و مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم، شهدت العلاقات المصرية الأفريقية طفرة غير مسبوقة ونقلة استراتيجية حقيقية. انتقلت السياسة الخارجية المصرية من مرحلة “الدبلوماسية التقليدية” إلى مرحلة “الشراكة التنموية الشاملة”.

ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذا الدور منذ 2014 في النقاط التالية:

• رئاسة الاتحاد الأفريقي (2019)

قادت مصر الاتحاد بنجاح، وركزت على ملفات إعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، وإطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA).

• المشروعات القومية المشتركة:

برز الدور المصري التنموي في مشروعات عملاقة، وعلى رأسها بناء “سد جوليوس نيريري” في تنزانيا بأيادٍ وتحالفات شركات مصرية، وهو نموذج حي لقدرة الشركات المصرية على صياغة التنمية في أفريقيا.

• مبادرات الصحة والتعليم :

إطلاق مبادرات علاجية مثل “100 مليون صحة” للأشقاء الأفارقة، وتقديم الآلاف من المنح الدراسية عبر الأزهر الشريف والجامعات المصرية.

انعكاس الدور الأفريقي على علاقات مصر الدولية

إن عودة مصر بقوة إلى حضنها الأفريقي لم تكن مكسباً قاريّاً فحسب، بل أعادت صياغة مكانة مصر على الخارطة الدولية. فقد أدركت القوى العظمى (مثل الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، الصين، وروسيا) أن بوابة العبور الآمنة والشرعية لأفريقيا تمر حتماً عبر القاهرة.

أصبحت مصر تتحدث بصوت أفريقيا في المحافل الدولية، مثل قمم المناخ (COP27 في شرم الشيخ)، والقمم الإفريقية-الأوروبية، والإفريقية-الصينية. هذا الدور المحوري منح مصر ثقلاً سياسياً كبيراً، وجعلها الشريك الاستراتيجي الأول للمجتمع الدولي في ملفات مكافحة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، واستقرار منطقة الساحل والصحراء والقرن الأفريقي.

الواجب الوطني لرجال الأعمال والمستثمرين: شراكة الدولة والقطاع الخاص

إذا كانت الدولة المصرية قد عبدت الطرق السياسية والدبلوماسية والأمنية مع الأشقاء في أفريقيا، فإن استكمال هذا الدور وتثبيته يعتمد بشكل أساسي على القطاع الخاص ورجال الأعمال المصريين، كواجب وطني وقومي لا غنى عنه.

إن الاستثمار في أفريقيا اليوم ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو ذراع تنموي يؤكد الحضور المصري، ويحقق منافع متبادلة من خلال:

1. فتح استثمارات جديدة في قطاعات البنية التحتية، الطاقة، الزراعة، والتصنيع الدوائي.

2. توفير فرص عمل للشباب المصري عبر تصدير العمالة المدربة والمهندسين والمقاولين للعمل في هذه المشروعات.

3. جذب المستثمرين الأفارقة إلى مصر للاستفادة من البنية التحتية المتطورة والمناطق الاقتصادية الواعدة مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

أمثلة مشرفة لنجاحات مصرية في أفريقيا

وهناك العديد من القلاع الاقتصادية المصرية التي رفعت اسم مصر عالياً في أدغال أفريقيا، ومنها:

• شركة المقاولون العرب:

والتي نفذت وتنفذ أضخم مشروعات الطرق والكباري والسدود (مثل سد تنزانيا) في أكثر من 20 دولة أفريقية.

• مجموعة شركات السويدي إليكتريك :

التي أصبحت شرياناً رئيسياً للطاقة في أفريقيا، عبر بناء محطات الكهرباء وتوليد الطاقة وشبكات الكابلات في دول مثل أنغولا، غينيا الاستوائية، وتنزانيا.

• شركة أوراسكوم للإنشاءات:

ولها بصمات واضحة في مشروعات البنية التحتية والاتصالات في عدة دول أفريقية.

• مجموعة شركات سعد رسلان (Saad Raslan Ltd):

تعتبر المجموعة واحدة من أهم القوى الاستثمارية المصرية في منطقة غرب أفريقيا، حيث نجحت في بسط نفوذ تجاري واقتصادي قوي في دول مثل جامبيا، السنغال، وموريتانيا. لم يقتصر نجاح المجموعة على قطاع واحد، بل تميزت بتنوع استثماراتها؛ حيث تمتلك سلسلة معارض كبرى للأثاث والفرش الفندقي في جامبي)، فضلاً عن كونها الوكيل والموزع المعتمد لكبرى العلامات التجارية العالمية في قطاع الإلكترونيات والأجهزة المنزلية في الغرب الأفريقي. يمثل هذا التواجد القوي دليلاً عملياً على قدرة المستثمر المصري على قيادة قطاع التجزئة والتوزيع وبناء شراكات دولية ناجحة تنطلق من قلب أفريقيا.

مجموعة الشرق الأوسط للاستثمار:

تمثل المجموعة علامة فارقة في قطاع الاستثمار والتنمية داخل القارة الأفريقية في العديد من المجالات وأهمها المشتقات البترولية مثل تكرير الزيوت المعدنية وتعبئة وتوزيع زيوت وشحوم السيارات بالإضافة الى دورها في مجالات المقاولات العامة وتنفيذ وإدارة المشروعات ، حيث تمكنت عبر رؤيتها الاستراتيجية من فتح آفاق تعاون استثماري واسع النطاق في عدة دول أفريقية، مما ساهم في تعزيز التواجد الاقتصادي وترسيخ الثقة في قدرة المستثمر المصري على إدارة وتطوير مشروعات عملاقة تعود بالنفع على الاقتصاد القومي وتخلق المزيد من فرص العمل للشباب.

ويعد نجاح هذه الشركات دليل قاطع أن السوق الأفريقية متعطشة للخبرات المصرية، وأن العائد الاستثماري هناك يمثل فرصاً ذهبية حقيقية لا تعوض.

رسالة إلى المستقبل: استدامة الدور وتعظيم الاستفادة

في الختام، يجب أن ندرك جميعاً أن الاستمرار في تعزيز دور مصر المحوري في أفريقيا ليس خياراً رفيعاً، بل هو ضرورة حتمية للمستقبل. فالقارة السمراء هي قارة المستقبل، وتتميز بثروات هائلة وكنوز بكر لم تكتشف بعد؛ من مساحات شاسعة للأراضي الزراعية الخصبة، إلى ثروات معدنية هائلة، وطاقات بشرية شابة تمثل سوقاً استهلاكياً ضخماً يضم أكثر من مليار نسمة.

إن تضافر الجهود بين القيادة السياسية والقطاع الخاص هو السبيل الوحيد لبناء حائط صد استراتيجي يحمي مصالح مصر، ويحقق التنمية المستدامة لشعوب القارة. لتبقَ مصر دائماً كما كانت.. بوصلة الأمان ومنارة التنمية في قلب أفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com