العلم دين… فاحذروا عمّن تأخذون دينكم

اعداد: محمد الشريف
لم يكن العلم في الإسلام كلمات تُحفظ أو فتاوى تُتداول، بل كان أمانة تُحمَل ودينًا يُتعبد الله به. ولهذا قال السلف:
“إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.”
وهو تحذير بليغ يضع المسلم أمام مسؤولية خطيرة: أن لا يجعل دينه بيد غير الثقات.
ويحكي التاريخ أن الإمام مالك – إمام دار الهجرة – وقف أمام قبر النبي ﷺ وقال عبارته الشهيرة:
“كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر.”
معلنًا بذلك قاعدة ذهبية: العصمة للرسول ﷺ وحده.
الرجوع إلى القرآن… أصل الدين ومصدر الفهم
القرآن معيار لا يتغير
القرآن هو أول مصدر للتشريع، وكل حكم لا يُبنى عليه أو لا يوافق روحه يُردّ.
قال تعالى:﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾
فالزواج، والطلاق، والمعاملات، والحدود… كلها لا تُفهم إلا في ضوء كتاب الله.
فهمٌ على منهج الوحي.. لا على الأهواء
لم يكن الصحابة يفسرون القرآن بمزاج أو رأي مجرد، بل بفهم نابع من:
- علم اللغة
- سياق الآيات
- أسباب النزول
- ما سمعوه من النبي ﷺ مباشرة
ولهذا صار فهمهم أقرب الفهوم إلى الصواب.
السنة النبوية… التفسير العملي للقرآن
الرسول ﷺ هو المبيّن
قال تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾
فالسنة ليست تكميلًا اختياريًا، بل هي شرح واجب الاتباع.
السنة الصحيحة… ميزان دقيق
ليس كل ما نُسب إلى النبي ﷺ صحيحًا، ولذلك اهتم العلماء بعلم الحديث ووضعوا شروطًا لقبول الخبر، مثل:
اتصال السند
عدالة الرواه
عدم الشذوذ والعلة
فلا يؤخذ الحكم إلا من حديث صحيح أو حسن.
فهم السلف… البوصلة التي لا تحيد
الصحابة… جيل التربية النبوية
هم الذين شهدوا التنزيل وعاشوا مع رسول الله ﷺ، ولذلك قال ابن مسعود:
“من كان مستنًّا فليستنّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.”
التابعون… حملة الأمانة
أخذوا العلم عن الصحابة مباشرة، ومنهم الأئمة الأربعة ورواة الحديث الكبار، فكان فهمهم استمرارًا للمنهج الأول.
السلف الصالح… السلسلة الذهبية
السلف هم الأجيال الثلاثة الأولى الذين قال عنهم النبي ﷺ:
“خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.”
وفهمهم للأحكام هو أقرب الطرق للنور.
لماذا نعود إلى منهج السلف في أحكام الزواج والمعاملات؟
1. لأنهم الأقرب لفهم مقاصد الشريعة
فالزواج عندهم عبادة قبل أن يكون عقدًا، والأسرة بناء لا مجرد علاقة.
2. لأنهم يقدّمون الدليل على الرأي
لا يُصدرون حكمًا إلا بآية أو حديث أو إجماع.
3. لأنهم يفرّقون بين العادات والعبادات
فلا يُلزمون الناس بما لا يلزمهم الله به.
4. لأنهم يُحكمون العدل والرحمة
وهو أساس الشريعة في كل حكم.
الإمام مالك… درسٌ خالد في التواضع للحق
حين قال الإمام مالك كلمته المشهورة:
“كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر.”
كان يعلّم الأمة أن العلماء مهما بلغوا فهم بشر يُصيبون ويخطئون.
لكن النبي ﷺ وحده هو المشرّع المعصوم، وما خالف سنته يُردّ.
هذه القاعدة تحمي الأمة من التعصب، وتعيدها إلى ميزان الوحي.
ضوابط أخذ الدين في عصر كثرت فيه الأصوات
1. لا يُؤخذ العلم إلا من ثقة معروف
أخلاقه وسلوكه قبل علمه.
2. أن يكون العالم متقيدًا بالدليل.. لا بمجرد رأي أو شهرة.
3. أن يكون علمه متصلًا بفهم السلف
لا مبتدعًا ولا مفرطًا ولا متساهلًا.
4. عدم تتبع الرخص
فمن تتبع الرخص تزندق كما قال السلف.
5. ردّ كل قول إلى القرآن والسنة
فإن وافقهما فهو حق، وإن خالفهما فهو مردود.
الدين عظيم، ولا يُؤخذ من كل أحد.
والشريعة لا تُفهم إلا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبفهم الصحابة والتابعين والسلف الصالح… فهُم المصابيح التي تهدي الطريق.
وما لم نرجع إلى هذا الميزان، اختلطت الأصوات وضاعت البوصلة.



