
كتبت: شروق الشحات
تظلّ الأيام الأخيرة في حياة الإمام البخاري واحدة من أكثر الصفحات ألمًا وإلهامًا في سيرة هذا العالم الجليل الذي ملأ الدنيا علمًا، وجمع أصحّ كتاب بعد كتاب الله، ومع ذلك انتهت رحلته بين المدن طريدًا، لا يحمل إلا كتبه، ولا يفارقه ثباته ومبدؤه.
_اضطهاد الإمام البخاري:
في أواخر حياته تعرّض الإمام البخاري لاضطهاد شديد من حكّام شرق العالم الإسلامي، وخاصة في نيسابور… بخارى… سمرقند.
كان سبب ذلك مواقف ثابتة لم يساوم عليها، حين رفض تعليم أبناء الحكام في قصورهم قائلاً: “العلم يُؤتى ولا يُذهب به إلى الأبواب.”
كلمة أغضبت أصحاب النفوذ وأيقظت حسد الحاسدين، فبدأ التضييق يزداد حوله يومًا بعد يوم.
_رحيل من مدينة لأخرى:
بلغ البخاري 62 سنة حين وصلته أوامر حاكم نيسابور أن يغادر المدينة فورًا لأنه “اخرج من المدينة… فأنت غير مرغوب فيه.”
خرج منها صابرًا محتسبًا، واتجه نحو مسقط رأسه بخارى، حيث استقبله الناس استقبال العلماء، ونثروا عليه المال والسكر، والتفّ حوله طلاب العلم والمحدّثون حتى هجرت مجالس غيره، فزاد ذلك غيظ البعض عليه.
لم يمر وقت طويل حتى غضب حاكم بخارى، وجاءته رسائل من حاكم نيسابور تطلب طرد الإمام من بخارى أيضًا، ووصل مبعوث الحاكم إلى بيت البخاري يأمره أن يغادر المدينة “الآن”.
خرج الإمام دون أن يمهلوه ليرتب كتبه أو يجمع متاعه، فاضطر أن يخيم خارج بخارى ثلاثة أيام يجمع كتبه بيده، لا يدري إلى أين يتجه.
بعدها تحرك البخاري نحو سمرقند، لكنه لم يدخلها، بل اتجه إلى قرية من قراها اسمها خرتنك ليحلّ ضيفًا على أقاربه هناك، بصحبة إبراهيم بن معقل.
ولم يطل الوقت حتى وصل الحرس من جديد إلى البيت الذي نزل فيه الإمام، يحملون أوامر من حاكم سمرقند: أن يخرج البخاري من نواحي سمرقند وقراها… والأوامر أن يخرج “الآن”، رغم أنها كانت ليلة عيد الفطر.
خشي الإمام أن يتسبب ببأس لأقاربه الذين استضافوه، فاستعد للخروج.
تولى إبراهيم بن معقل ترتيب الكتب على الدابة، وجهز الأخرى ليركب عليها الإمام.
ثم عاد ليساعده على الخروج، وكان البخاري يتحامل عليه من شدة المرض والإرهاق.
وبعد ما يقارب عشرين خطوة، اشتد عليه التعب، فطلب من ابن معقل أن يمهله دقائق ليستريح.
جلس الإمام البخاري إلى جانب الطريق… ثم غفا. لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى أراد ابن معقل أن يوقظه، فإذا بروحه قد فاضت إلى الله… بسلام وهدوء.
_وفاتة:
توفي الإمام البخاري على جانب الطريق ليلة عيد الفطر، في الأول من شوال سنة 256هـ، مطرودًا من مدينة وأخرى وثالثة، وقد تجاوز عمره 62 عامًا، لكنه بقي ثابتًا على مبدئه، عزيزًا بعلمه، مرفوعًا بصدقه.
_لكن… من بقي اسمه حيًّا؟
لا أحد اليوم يذكر أسماء حكّام نيسابور أو بخارى أو سمرقند الذين ضيّقوا عليه.
لكن العالم كلّه يعرف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري.
اسمه يقرأ في كل بيت، وفي كل مسجد، وعلى كل منبر.
لقد انتصر العلم… وخلّد الله الصادقين.
رحم الله الإمام البخاري، ورفع درجته في عليين مع النبيينوالشهداء والصالحين.



