وزير الزراعة: الأسعار في مصر أفضل كثيرًا من أوروبا

كتب: إبراهيم رمضان
لم يعد الحديث عن الأسعار مجرد نقاش داخلي يقتصر على أسواق الخضروات أو محلات التجزئة، بل أصبح جزءًا من معركة اقتصادية كبرى يشهدها العالم أجمع. وفي هذا السياق جاء تصريح وزير الزراعة المصري بأن الأسعار في مصر “أفضل كثيرًا من أوروبا”، وهو تصريح يحمل في طياته أبعادًا متعددة؛ فهو من ناحية يعكس حجم الضغوط العالمية على اقتصادات الدول، ومن ناحية أخرى يسعى لتوضيح الفرق بين وضع مصر ودول متقدمة تعاني من تضخم غير مسبوق وارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية.
السياق العالمي: أزمة تتجاوز الحدود
منذ عام 2020 والعالم يترنح تحت وطأة أزمات متلاحقة: جائحة كورونا، تعطل سلاسل الإمداد، الحرب الروسية الأوكرانية، ارتفاع أسعار الطاقة، والتغيرات المناخية التي أرهقت الزراعة العالمية. كل هذه العوامل دفعت أوروبا – التي طالما اعتبرت نموذجًا للرفاهية الاقتصادية – إلى موجة غلاء تاريخية. أسعار الغذاء ارتفعت في ألمانيا بنسبة تجاوزت 20%، وفي بريطانيا قفزت أسعار الألبان والحبوب والخضروات بنسب غير مسبوقة، بينما شهدت فرنسا احتجاجات على تكلفة المعيشة. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل شواهد على أن الغلاء أصبح عالميًا لا يفرق بين دول غنية وفقيرة.
مصر والاستراتيجية الزراعية: توازن وسط العاصفة
في مقابل هذا المشهد، سعت مصر إلى بناء منظومة زراعية قادرة على حماية الأمن الغذائي الوطني. فمن مشروع الدلتا الجديدة الذي يستهدف استصلاح أكثر من 2 مليون فدان، إلى التوسع في الصوب الزراعية لزيادة الإنتاج وتوفير منتجات بأسعار مناسبة، وصولًا إلى تطوير نظم الري الحديث لتقليل الفاقد وزيادة الإنتاجية، كلها خطوات تعكس رؤية استراتيجية تهدف لتقليل الاعتماد على الخارج وتثبيت الأسعار داخليًا.
كما أن مصر وضعت في أولوياتها المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة والقطن، مع فتح أبواب جديدة للتصدير تعزز الاقتصاد القومي. والنتيجة أن السوق المحلي، رغم الضغوط العالمية، ظل قادرًا على توفير احتياجات المواطنين بأسعار – وفق المقارنة الدولية – أقل بكثير من أوروبا.
بين الواقع والدخل الفردي
لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل يشعر المواطن المصري فعلًا بأن الأسعار أفضل من أوروبا؟ الإجابة هنا تحتاج إلى قراءة أكثر عمقًا. صحيح أن كيلو الطماطم أو البطاطس في مصر أرخص من نظيره في فرنسا أو إيطاليا، لكن الفارق الجوهري يكمن في مستوى الدخل الفردي. فالمواطن الأوروبي يمتلك قدرة شرائية أعلى، بينما يظل دخل المواطن المصري محدودًا مقارنة بالضغوط المعيشية.
إذن، التحدي الأكبر لا يكمن في سعر السلعة بحد ذاتها، بل في العلاقة بين السعر والدخل، وبين تكلفة المعيشة والقدرة الشرائية. ومن هنا تأتي أهمية السياسات الحكومية التي تسعى إلى دعم الفئات الأكثر احتياجًا، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتوفير السلع الاستراتيجية بأسعار مدعومة عبر المنافذ الحكومية.
البعد السياسي للتصريح
تصريح وزير الزراعة لا يقتصر على كونه مقارنة اقتصادية، بل هو أيضًا رسالة سياسية موجهة إلى الداخل والخارج. إلى الداخل، للتأكيد على أن الدولة تبذل جهدًا كبيرًا لتخفيف وطأة الغلاء وحماية الأمن الغذائي. وإلى الخارج، لتوضيح أن مصر – رغم تحدياتها – لم تصل إلى مستويات الانفجار الاقتصادي التي تعاني منها بعض الدول الكبرى.
كما أن هذا التصريح يحمل بعدًا نفسيًا، إذ يسعى إلى تعزيز ثقة المواطن في قدرات الدولة ومشروعاتها الزراعية، وإلى دعم فكرة أن مصر ليست بمعزل عن العالم، لكنها قادرة على حماية جبهتها الداخلية رغم الأزمات العالمية.
مستقبل الأسعار في مصر
المعركة الحقيقية ليست في المقارنة مع أوروبا أو غيرها، بل في الاستمرار في مشروعات الاكتفاء الذاتي، وتشجيع الفلاح المصري على الإنتاج، وفتح الباب أمام الاستثمار الزراعي الخاص والعام، بالإضافة إلى توسيع دائرة التعاون الإقليمي والدولي لتأمين الغذاء.
إن الرهان الأكبر هو تحويل الزراعة من مجرد قطاع تقليدي إلى قاطرة للتنمية الشاملة، تسهم في توفير الغذاء، ودعم الصادرات، وتوليد فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.


