ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 2025: سلام دعائي بين الوهم السياسي والهيمنة الأميركية – قراءة نقدية تحليلية في الخطاب والفجوة بين القول والفعل

كتب: إبراهيم رمضان الهمامـي
في الثالث والعشرين من سبتمبر 2025، اعتلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين، وألقى خطابًا مطوّلًا تجاوز 65 دقيقة، وهو زمن استثنائي بالنسبة لأعراف هذه المنصة الدولية التي تفرض عادةً وقتًا لا يتعدى 15 دقيقة.
لكن طول المدة لم يعكس بالضرورة عمقًا في المضمون، بل كشف عن ميل استعراضي واستغلال سياسي للمنبر الأممي من أجل تقديم خطاب أشبه بالحملة الانتخابية منه بمداخلة لرئيس دولة عظمى أمام المجتمع الدولي.
1. السياق الدولي للخطاب
جاء خطاب ترامب في لحظة حرجة من النظام الدولي: استمرار الحرب الروسية–الأوكرانية بكل تعقيداتها الجيوسياسية، تفاقم المأساة الإنسانية في غزة وسط قصف وحصار ودمار واسع، أزمة الطاقة العالمية التي تعيد تشكيل تحالفات اقتصادية وسياسية، وتصاعد موجات الهجرة التي تؤرق الدول الأوروبية والأميركية.
هذه الملفات جعلت من منصة الأمم المتحدة ساحة متوقعة لخطابات مسؤولة تقدم حلولًا واقعية. لكن ترامب استثمر المناسبة لإعادة إنتاج صورة “القائد المنقذ”، من خلال الترويج لسلام يفتقر إلى الأسس الحقيقية.
2. صناعة صورة “صانع السلام”
سعى ترامب لتقديم نفسه بوصفه “صانع سلام” عالمي، زاعمًا أنه أنهى “سبع حروب كانت تستنزف العالم” خلال ولايته الثانية. لكنه لم يقدّم تفاصيل عملية أو توثيقًا دقيقًا، بل أدرج أزمات مثل النزاع في ناغورنو كاراباخ، والحرب الأهلية في تيغراي، والتوترات في صربيا وكوسوفو، وكأن الولايات المتحدة لعبت الدور الحاسم في إنهائها.
هذا السرد مثّل، وفقًا لكثير من المراقبين، مبالغة دعائية أكثر من كونه توصيفًا للواقع؛ إذ أن معظم هذه النزاعات لا تزال قائمة أو مؤجلة الانفجار.
هذه الاستراتيجية الخطابية لا تنفصل عن إرث ترامب السياسي الذي يقوم على تضخيم الإنجازات، وإضفاء صبغة أسطورية على دوره القيادي، متجاهلًا أن التاريخ الدولي يقيّم الأفعال لا الخطابات.
3. القضية الفلسطينية: التناقض الأوضح
القضية الفلسطينية شكلت المرآة التي عكست التناقض بين خطاب ترامب وما يدّعيه من صناعة للسلام. ففي الوقت الذي دعا فيه إلى وقف إطلاق النار في غزة وإطلاق سراح الرهائن، رفض بشكل قاطع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبرًا أن هذه الخطوة “مكافأة لحماس”.
هذا الموقف يكشف عن جوهر “السلام المزعوم”: سلام مشروط، يُفرغ القضية من بعدها الحقوقي والقانوني، ويحوّل حق تقرير المصير إلى ورقة تفاوضية قابلة للابتزاز.
في المقابل، صدر عن اجتماع عربي–إسلامي موسع على هامش الجمعية العامة بيان واضح يطالب بوقف فوري لإطلاق النار، إدخال المساعدات الإنسانية، رفض التهجير القسري، والتأكيد على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. هذا التباين أظهر أن ما يقدمه ترامب لا يرقى إلى كونه مشروع سلام، بل دعاية انتخابية مغلفة بخطاب أممي.
4. الشعبوية على المنبر الأممي
تميز خطاب ترامب بمزج السخرية والطرافة داخل خطاب سياسي يفترض أن يتسم بالجدية. فقد افتتح حديثه بتعليق ساخر عن جهاز عرض النصوص، وكأن الهدف هو كسر الرسمية وإدخال روح الحملة الانتخابية إلى قاعة الأمم المتحدة.
هذا الأسلوب الشعبوي يستهدف لفت الانتباه وبناء صورة “القائد المختلف”، لكنه في الوقت نفسه يقلل من هيبة المناسبة الأممية ويحوّلها إلى مسرح للعرض الشخصي.
5. القضايا الدولية الأخرى: التبسيط المخل
عند حديثه عن الحرب الروسية–الأوكرانية، وصف ترامب الأزمة بأنها “الأكثر سهولة في الحل”، متجاهلًا تعقيدات الأمن الأوروبي، دور حلف الناتو، ومصالح روسيا الاستراتيجية. هذا التوصيف البسيط يكرس الانطباع بأن الخطاب أقرب إلى خطاب جماهيري داخلي منه إلى رؤية دبلوماسية متكاملة.
أما في ملف الطاقة، فقد ركّز على العودة إلى الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم)، مهاجمًا السياسات البيئية التي تدعو للطاقة المتجددة، معتبرًا أن هذه الأخيرة تجعل الدول “ضعيفة ومعتمدة على الآخرين”. بهذا الطرح، يربط ترامب الاستقرار الدولي بالعودة إلى النموذج الصناعي القديم، في تجاهل تام للتحولات العالمية نحو الطاقة النظيفة.
وفي ملف الهجرة، قدّم أطروحة مفادها أن حماية الحدود هي أساس السلام العالمي، في تكرار مباشر لشعاره الداخلي “أميركا أولًا”. هذه المقاربة تحوّل قضية إنسانية معقدة إلى ملف أمني محض، وتعكس انحيازًا إلى السياسات الانعزالية التي تمثل أحد أعمدة فكره السياسي.
6. الفجوة بين الخطاب والسياسة
يتضح من تحليل مضمون الخطاب أن هناك فجوة عميقة بين ما أعلنه ترامب وما تمثله سياساته على الأرض. فهو يرفع شعار “السلام” بينما ينكر جوهر العدالة الدولية.
ويدعو إلى إنهاء الحروب بينما يختزل النزاعات الدولية في عبارات سطحية. ويستغل منبر الأمم المتحدة لتسويق رؤيته الانتخابية بدل أن يقدّم مشروعًا دبلوماسيًا متماسكًا.
7. نقد مقاربة “السلام المزعوم”
من منظور الواقعية السياسية في العلاقات الدولية، يمثل خطاب ترامب نموذجًا كلاسيكيًا لاستخدام القوة والمصلحة القومية كمحددات للسلام.
فمفهومه للسلام ينحصر في حماية الحدود الأميركية والسيطرة على مصادر الطاقة، وهو ما يحوّله من قيمة كونية إلى أداة قومية ضيقة.
أما من منظور الليبرالية الدولية، فإن الخطاب يعكس تراجعًا عن التعددية ودور المؤسسات الدولية.
فترامب تجاهل قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين، وتجاوز المبادرات الدولية القائمة مثل المبادرة العربية للسلام (2002). بل إنه أعاد صياغة مفهوم السلام ليكون أقرب إلى صفقة ثنائية تُفرض من موقع القوة، لا إلى عملية دولية تشاركية.
8. الانعكاسات على العالم العربي والإسلامي
خطاب ترامب أثار موجة من الرفض والانتقاد في الأوساط العربية والإسلامية. إذ بدا وكأنه يكرّس الانحياز الأميركي التاريخي لإسرائيل، ويتعامل مع الحقوق الفلسطينية باعتبارها ورقة عقابية. هذا الخطاب يعمّق أزمة الثقة بالدور الأميركي كوسيط، ويعزز القناعة بأن أي سلام عادل لا يمكن أن ينبع من واشنطن، بل من تحركات إقليمية مستقلة أو عبر أطر بديلة متعددة الأطراف.
9. البعد التاريخي والمقارنة بالمبادرات السابقة
إذا قورن خطاب ترامب بالمبادرات السابقة مثل مؤتمر مدريد (1991) أو اتفاق أوسلو (1993) أو المبادرة العربية للسلام (2002)، نجد أن خطابه لم يقدّم أي جديد، بل تراجع حتى عن السقف الأدنى الذي قبلت به بعض الأنظمة العربية.
المبادرة العربية مثلًا قدمت إطارًا متوازنًا: انسحاب من الأراضي المحتلة مقابل تطبيع كامل. لكن ترامب تجاهل هذا المسار كليًا، ورفض مبدأ الدولة الفلسطينية أصلًا.
10. الخاتمة: بين وهم السلام وحقيقة الهيمنة
يكشف خطاب ترامب أمام الأمم المتحدة عام 2025 عن نموذج صارخ لاستغلال المنابر الدولية في خدمة الحسابات الداخلية. فهو لم يقدّم رؤية حقيقية لصناعة السلام، بل أعاد إنتاج شعارات انتخابية في ثوب أممي. “سلام ترامب” ليس سوى سلام ناقص، يكرّس الهيمنة الأميركية ويحمي إسرائيل، ويتجاهل حقوق الشعوب.
إن التحدي المطروح أمام العرب والمسلمين اليوم هو ما إذا كانوا قادرين على صياغة مشروع سلام بديل، يستند إلى الشرعية الدولية ويعكس مصالحهم الاستراتيجية، بدلًا من الارتهان لرؤى دعائية تفرغ السلام من معناه. فالمستقبل لن يُبنى على أوهام الخطابات، بل على مشاريع عادلة تضع الإنسان والعدالة في قلب أي عملية سلام.



