اخلاقنا

«حضارة بُنيت بالميزان والقلب… كيف جمعت الأمة الإسلامية بين العدالة والرحمة؟»

 

كتبت ـ داليا أيمن

على امتداد قرون طويلة، قدّمت الحضارة العربية الإسلامية نموذجًا فريدًا في الموازنة بين قوة العدل و رقّة الرحمة، مستمدّة مبادئها من نور الرسالة الإسلامية التي جعلت الإنسان محورًا لكل التشريعات الروحية والاجتماعية والسياسية. فقد قامت هذه الحضارة على منظومة قيم لا تفصل بين الحقوق والإنسانية، ولا بين الحزم والرأفة.

العدل… أساس حضارة لا تفرّق بين الناس

تميّزت الحضارة الإسلامية بكونها حضارة مساواة؛ لا تقدّس لونًا ولا ترفع نسبًا ولا تُفضّل غنيًا على فقير. وقد جسّد النبي محمد ﷺ هذا المبدأ حين أعلن صراحة أن الحدود تُطبَّق على الجميع بلا استثناء، وقال قولته الشهيرة: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، مؤكدًا أن العدالة لا تخضع للمحاباة أو النفوذ.

وتُخلِّد كتب التاريخ نماذج مدهشة للعدل، من أبرزها:

قصة علي بن أبي طالب والقاضي شريح، حين وقف الإمام كأحد عامة الناس أمام اليهودي الذي ادّعى ملكية درعه، فحكم القاضي لصالح اليهودي لعدم توفر البيّنة، في مشهد أثبت أن العدل فوق الجميع.

واقعة عمر بن الخطاب مع ابن عمرو بن العاص، حين اقتصّ الفاروق للقبطي الفقير بعدما ضُرب ظلمًا، قائلًا لعمرو: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».

هذه المواقف لم تكن استثناء… بل كانت قاعدة ترسّخها الدولة في القضاء، والإدارة، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية.

الرحمة… روح الحضارة الإسلامية

لم تقف قيم الإسلام عند حدود العدالة، بل تجاوزتها إلى الرحمة التي شملت الإنسان والحيوان والطبيعة. فالرسول ﷺ بُعث «رحمة للعالمين»، وظهرت هذه القيمة في مواقف عديدة منها:

قصة الجمل الذي جرى إلى النبي ﷺ شاكياً صاحبه، فبكى الحيوان ورقّ له النبي، قبل أن ينبه صاحبه إلى سوء معاملته، في رسالة تؤكد أن الرحمة تشمل حتى الدواب.

تعليمات الرسول والخلفاء الراشدين في الحروب: لا تُقتل امرأة ولا طفل ولا شيخ، ولا يُقطع شجر، ولا يُعتدى على غير المقاتلين، ولا يُمثَّل بالعدو… وهي مبادئ سبقت كل القوانين الدولية الحديثة.

موقف عمر بن الخطاب من الشيخ اليهودي الذي رآه يسأل الناس، فقال كلمته الخالدة: «ما أنصفناك… أخذنا منك الجزية شابًا ثم ضيعناك شيخًا»، وأمر له بعطاء ثابت من بيت المال.

حضارة إنسانية قبل أن تكون عسكرية أو علمية

لم ترتقِ الأمة الإسلامية بالسيف ولا بالعمران وحدهما، بل ارتقت بقيم جعلت الإنسان غاية كل نظام. فالرحمة والعدل لم يكونا شعارات، بل قوانين تُطبق، وسلوكيات تُمارس، ومبادئ تُورث عبر الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى