ولد فى مثل هذا اليوم الأديب المصرى نجيب محفوظ

كتب محمد عبد اللطيف بدوي
نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا (11 ديسمبر 1911 – 30 أغسطس 2006)
في حي الجمالية العتيق وسط القاهرة، وفي أواخر عام 1911، وُلد نجيب محفوظ في أسرة متوسطة وأمّل ذات يوم أن يكون لاعب كرة أو ضابطاً، قبل أن يتوجه إلى شرائط الكتابة والفلسفة. كان والده موظفاً حكومياً تقليدي الملامح، وأمّه، رغم أمّيتها، زارته في الطفولة إلى المتحف المصري وهرَّبته إلى ردهات الثقافة رغم قيودهما. عاش محفوظ طفولته في أزقة شهدت ثورة 1919—التي رآها من نافذة بيته فزادت جذر القومية داخله وغذّت رواياته لاحقاً. تلقّى تعليمه في الكتاب والحضانة، ثم في مدرسة فؤاد الأول التي شهدت انبهاراته بالأدب. التحق عام 1930 بكلية الآداب، وتخرّج في الفلسفة عام 1934، لكن شغفه الأدبي دفعه إلى تجاهل رسالة الماجستير والتفرغ للكتابة.
في بداياته، كتب قصصاً فلسفية نُشرت بين عامي 1930 و1939، ثم صدرت روايته الأولى “عبث الأقدار” عام 1938، تلاها روايات عدة مثل “رادوبيس” و”خـان الخليلي” وانطلقت بذلك رحلة أدبية امتدت لعقود طويلة. وفي أثناء تلك السنوات، شق طريقه في الحياة المدنية: عمل سكرتيراً نيابياً في وزارة الأوقاف، ثم ترقّى إلى مناصب مثل: مدير مؤسسة القرض الحسن، مدير مكتب الإرشاد، مدير الرقابة على المصنفات الفنية، مدير مؤسسة دعم السينما، ثم رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما حتى تقاعده عام 1971، بعد أن كتب سيناريوهات عديدة للأفلام وتعاون مع كبار المخرجين، وفي الوقت نفسه تابع مسيرته الأدبية بشغف.
خلال هذه الرحلة، أنتج محفوظ أكثر من 34 رواية وأكثر من 350 قصة قصيرة، وأربع مسرحيات، وعشرات سيناريوهات الأفلام، وعموداً أسبوعياً في الأهرام بعنوان “وجهة نظر”، الذي كتب فيه منذ الثمانينيات حتى حادث محاول اغتياله في منتصف التسعينيات ثم استأنفها في حوارات مع محمد سلماوي حتى ما قبل وفاته. من بين أعماله الروائية البارزة، “ثلاثية القاهرة” التي تشمل “بين القصرين” و”قصر الشوق” و”السكرية”، والتي تنتقل بسرد مذهل بين أجيال متعددة في حي الجمالية، وتنقّل التاريخ المصري من الحرب العالمية الأولى إلى ما بعد ثورة 1952، بل وتحوّلت إلى إحدى آثار الأدب العربي الأكثر شهرة وتأثيراً.
عرّف محفوظ الواقعية الأدبية بطريقة تجمع بين البساطة العميقة والإحساس العميق، استدعاء للزمن، للحارات، للحياة اليومية، لجيران الحياة وفلسفات الإنسان البسيط. استمد مادّة رواياته من الشوارع والحارات والأزقة، وكأن الحي بكل تفاصيله كان المرآة التي ينقل منها تدفقات الحياة. ثم تبلور أدبه بمرور الزمن حتى عمق التجربة، فكتب روايات مثل “اللص والكلاب” التي خضعت للتقنيات السريالية والوعي الداخلي، و”أولاد حارتنا” التي عبّرت عن رمزية مبهرة وخلفتها جدالات حادّة وأدت إلى حظرها، ليبدو محفوظ ثائراً في أدوات القول الرواعي، جريئًا في تصوير الواقع، حساساً في مواحهة الأسئلة الكبرى: التاريخ والدين والطبقة والندم والعنف.
رقّة الأسلوب لم تمنع عمقه، وكانت أعماله تنتقل إلى الغرب بروعتها، بعد أن تُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، ونالت شهرة واسعة. في عام 1988، نال نجيب محفوظ جائزة نوبل في الأدب، فكان أول كاتب عربي يحصل عليها، وشُيّدت له قاعات في أنحاء العالم عُرفت بكنوز الحكي التي تخاطب الإنسانية جميعاً بروية عميقة وجمال سردي نادر. وعُبر الحكّام عن فخرهم، بينما هو رأى في الرواية طريقة شرعها لكل الإنسانية وأعطاها روح المصري العادي.
رغم كل هذا التوهّج، عرف محفوظ لحظة الألم: في عام 1995، تعرّض لمحاولة اغتيال من أفراد من الجماعات الإسلامية بسبب رواية “أولاد حارتنا”، التي تُناهض رموزاً دينية متأصلة. أصابه طعن تحت عينه، لكن وجد في قلبه مساحة للصفح وللتسامح، وقال إنه لا يَحقد. قُبض على الجناة وأُعدموا، لكن محفوظ كان يرى أن ما بقي هو قول الرواية، وصوت المستضعفين، وحرية القول.
تقاعد محفوظ بعد أن ترك أثراً أدبياً لا يُمحى، رحيلاً عن الحياة في 30 أغسطس 2006، عن عمر ناهز الـ95 عاماً، إثر مرض ألمّ به. خرج في جنازة شعبية من مسجد الحسين، يرافقها حب ملايين، تسلم فيها ختام حياته وكأنه لم يعش وحده، بل عاش فينا ونمونا معه، في أزقة الجمالية وفي حارات القاهرة، حيث لا يزال قلمه يُعيد صوغ الأحياء.
هكذا يبقى محفوظ ليس مجرد كاتب، بل صيّاد للحياة المصرية، يرصد تفاصيلها الصغيرة ويصوغها بحروف لا تقف عند الحدود. هو من فقدت فيه الفلسفة حبيباً، وكسبت الرواية حكائياً خالدًا، بوصف البعض: “لقد خسرت الفلس



