آية الحياء والعفة.. “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم” رسالة ربانية لحفظ القلوب والمجتمعات

بقلم: محمد الشريف
جاءت آيتا النور (30-31) كمنهاج رباني لحفظ طهارة المجتمع وصيانة القلب والجوارح من الفتنة، فبدأ الله تعالى بخطاب الرجال ثم النساء، تأديبًا وتربيةً لأمةٍ أراد الله لها النقاء والعفاف.
قال تعالى: “قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ”
“وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ…”
🔹 سورة النور.. تشريع العفة والطهارة
سورة النور من السور المدنية التي عنيت ببناء المجتمع الإسلامي على أساس من الطهر والعفاف، فافتتحت بآيات الحدود، وتوسطتها آيات الآداب والأخلاق، ومنها هاتان الآيتان اللتان تعدان دستورًا ربانيًا في تهذيب السلوك وضبط العلاقة بين الجنسين.
🔹 تفسير قوله تعالى: “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم”
في التفسير الميسر: أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر المؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه من النساء الأجنبيات، وأن يحفظوا فروجهم من الزنا والفواحش ومن كل ما يؤدي إليها.
فهذا السلوك أزكى وأنقى لهم عند الله، لأنه يطهر القلب ويمنع الشهوة من التسلط على النفس.
وقال ابن كثير: المعنى أن يغضّوا أبصارهم عن المحرمات، ولا يطلقوها فيما لا يجوز لهم، فإن النظر أصل كل فتنة، ومنه تنشأ المعاصي.
وقال القرطبي: غض البصر عبادة خفية لا يطلع عليها إلا الله، وهي دليل على قوة الإيمان ومراقبة الرحمن.

🔹 تفسير قوله تعالى: “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن”
كما أمر الله الرجال، أمر النساء أيضًا بحفظ البصر والعفة، لأن الطهارة لا تستقيم إلا بتكامل الطرفين.
قال التفسير الميسر: أمر الله المؤمنات أن يغضضن من أبصارهن عما لا يحل لهن النظر إليه، وأن يحفظن فروجهن من الزنا وما يؤدي إليه، وألا يُظهرن زينتهن إلا ما ظهر منها بحكم الضرورة كالثياب الظاهرة.

🔹 أمر الله بالحجاب وستر الزينة
قال تعالى: “وليضربن بخمرهن على جيوبهن”
أي ليُلقين خُمُرهنّ (أغطية رؤوسهن) على صدورهن ليسترن أعناقهن وصدورهن وشعورهن.
وكان نساء الجاهلية يلقين الخمار من وراء الرأس فينكشف النحر والصدر، فأمر الله المؤمنات بالستر الكامل.
قال ابن عباس رضي الله عنه: الخمار ما تغطي به المرأة رأسها، فأمرهنّ أن يغطين به جيوبهن ليسترن نحورهن وصدورهن.
وقال الطبري: الآية أصل في وجوب الحجاب، وهو ستر الزينة الظاهرة والباطنة عن غير المحارم.
🔹 التفسير الميسر للآيتين الكريمتين
(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم)
أي ليكفّوا أبصارهم عن النظر إلى ما حرّم الله، وليصونوا فروجهم عن الحرام، فهذا أزكى لهم وأطهر.
(وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن)
أي ليكففن أنظارهن عن الرجال الأجانب، ويحفظن فروجهن من الفواحش، ولا يُبدين زينتهن إلا للمحارم، وليغطين صدورهن بخمرهن حتى لا يُرى شيء من جسدهن.
🔹 أقوال السلف والمفسرين في معنى الآيتين
قال الحسن البصري: “من أطلق بصره في الحرام أورثه الله ظلمة في القلب.”
وقال ابن القيم: “النظر سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس، ومن تركه لله أبدله الله حلاوة الإيمان.”
وقال السدي: “الحجاب زينة المرأة وكرامتها، وبه تحفظ نفسها من أذى القلوب المريضة.”
🔹 دروس إيمانية وأخلاقية من آيتي النور
1. غض البصر عبادة قلبية تحفظ الطهارة الداخلية.
2. الحجاب فريضة لحماية المرأة وصون المجتمع من الفتنة.
3. الزينة الحقيقية ليست في المظهر، بل في التقوى والحياء.
4. المجتمع العفيف لا يُبنى بالقوانين فقط، بل بالإيمان والضمير الحي.
5. التوبة الجماعية واجب الأمة كما قال تعالى:
> “وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.”
إنها آيات من نورٍ تنادي بالعفاف والحياء، وتغرس في النفوس رقابة الله قبل رقابة البشر،
لتبقى الأمة نقيةً كما أرادها خالقها:
> “ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون.”



