اخبار العرب

” من طهران إلى بغداد ، حين يعاد تشكيل النفوذ وتكتب خرائط الشرق

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في الأزمنة التي يختلط فيها الدخان بالسياسة ، وتغدو الخرائط أقل ثباتا
من الريح لا تعود الأحداث مجرد وقائع عابرة ، بل إشارات ثقيلة لمعركة تدار بصمت ، فما نشهده اليوم في المنطقة ليس توترا طارئا ولا انفجارا معزولا ،
بل ارتجاجا عميقا في بنية الإقليم ، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع هشاشة الداخل وتتحول الدول إلى ساحات اختبار لإرادات كبرى
وفي قلب هذا الارتجاج تقف ” إيران ” اليوم لا بوصفها دولة فقط ، بل عقدة مركزية في صراع يتجاوز حدودها ، ويهدد بإعادة تشكيل ملامح الشرق بأكمله

فالمنطقة اليوم تقف على حافة زمن مضطرب ، زمن تتداخل فيه الجغرافيا مع المصالح ، وتتشابك فيه الأصوات الصاخبة في الشوارع مع همسات تدار خلف الأبواب المغلقة ، بنيران لا ترى دائما لكنها تحرق ببطء ، وتترك أثرها العميق في جسد الشرق المنهك
وفي قلب هذا المشهد المتوتر تقف ” إيران ” وقوف دولة تتقاذفها الأدوار
حليفا حينا وخصما حينا آخر ، لكنها في كل الأحوال باتت مركز العاصفة

فما يحدث في الشارع الإيراني اليوم ليس مجرد هتاف غاضب أو تمرد لحظة عابرة ، ولا هو رفض عفوي لحكم طال أمده ، بل هو احتراق بطيء لسنوات
من النخر السياسي ، احتراق غذته أياد خفية وحسابات دولية ثقيلة الظل صراع يتجاوز حدوده الوطنية ، ويتلبس لبوس الداخل ، فيما تنسج خيوطه في فضاءات أبعد ، حيث لا مكان للعواطف ولا اعتبار لآلام الشعوب
إنه صراع يراد له أن يبدو شعبيا خالصا ، بينما يحمل في عمقه ملامح لعبة كبرى ، لا تدار تحت الشمس بل في العتمة

ان إيران في هذا السياق ليست سوى البوابة ، بوابة لمشروع أوسع ، إذا ما انكسرت ، تداعت خلفها جدران كثيرة في الإقليم ، وياتي العراق الجار الأقرب روحا وجغرافيا ، أول المتلقيين للصدمة ، فهناك حيث تشابكت السياسة مع السلاح ، وتغذت الفصائل على دعم امتد لسنوات ، سيبدأ التفكك ويضيع الاتجاه ، وتتحول الولاءات إلى شظايا متناحرة ، كل منها يبحث عن راع جديد ، وعن مظلة بديلة
وفي فراغ كهذا لا يتأخر القادمون ، فتلوح واشنطن من بعيد بوصفها المستفيد الأكثر هدوءا وبرودة ، لتمد نفوذها على مهل ، وتعيد رسم حضورها في العراق ، لا بوعد الاستقرار بل بثقل الهيمنة ، حضور لا يشبه يد المنقذ بقدر ما يشبه ظلا طويلا يعود بالبلاد إلى ذاكرة الوصاية ، حيث تدار المصالح ولا تبنى الأوطان ، وحيث يعاد إنتاج الفوضى باسم النظام

ولا يقف صدى هذا المشهد عند حدود العراق فقط بل سيتسلل إلى لبنان ، وسوريا ، واليمن ، ووصولا حتى دول الخليج ككل واحدة تلو اخرى ، حيث يراد للصدوع أن تتسع ، وللنسيج أن يتمزق ، تمهيدا لمشهد إقليمي أكثر هشاشة
وفي قلب هذا التفكك ، سيعلو نجم المستفيد الصامت ” إسرائيل ” والتي لا تتقدم بخطوة واحدة ، إلا وقد مهدت لها الطرق ، وسويت أمامها الأرض بأيد أخرى
أما إيران ، فإن استمرار اشتعالها من الداخل وإطالة أمد نزيفها ، سيقودها إلى مصير أشد قسوة الا وهو ” حرب أهلية طويلة ” تستنزف فيها الدولة والمجتمع معا ، لتتحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة تدار فيها المصالح الدولية فوق أنقاض الداخل ، وفي المقابل لن يظل المشهد أحادي الاتجاه إذ ستنهض قوى ” مضادة ” وتتعدد التدخلات وتتشابك شبكات المليشيات وتستدعى الأقليات إلى واجهة الخطر ، فيما سيهتز الاقتصاد العالمي وتضطرب أسواق الطاقة ويصبح مضيق هرمز شريانا يرتجف تحت وطأة هذا الصراع

ان كل ذلك اليوم يستدعي وقفة أبعد من رد الفعل ، ونظرة أعمق من الانفعال ، فما يجري في إيران الان ليس قصة شعب وحكومة فحسب ، بل فصل جديد من كتاب إقليمي ثقيل ، تكتبه قوى كبرى بعقلية الهيمنة ، وتحركه أجندات لا ترى في هذه الأرض سوى رقعة شطرنج ، وفي شعوبها سوى أوراق قابلة للاستهلاك
إنها لحظة حاسمة تستوجب منا أن نقرأ ما وراء الدخان ، وأن نصغي لما لا يقال ، لأن ما يدار في الظل غالبا ما يكون أشد وقعا مما يعلن في الضوء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى