اخلاقنا

﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾.. دستور الطمأنينة في عالم القلق

بقلم: محمد الشريف

​في ظل تسارع الأحداث الكونية وتشابك المصائر الإنسانية، تبرز الآية الكريمة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (سورة السجدة: 5) كمنارة إيمانية ترسم حدود السكينة وتكشف عن عظمة الإدارة الإلهية لهذا الوجود. إنها دعوة للتأمل في مفهوم “التدبير” الذي يتجاوز مجرد إدارة الأحداث إلى إحكام العواقب والنظر في المقالات بعلمٍ محيط وحكمةٍ بالغة.

فلسفة التدبير الإلهي: إحكامٌ وعلم

​التدبير في جوهره هو إحكام الشيء ووضعه في موضعه الصحيح. وعندما يخبرنا الله أنه المتفرد بهذا التدبير، فإنه يرسخ في قلوبنا حقائق كبرى:

  • الأرزاق والآجال: لا تتحرك ذرة في هذا الكون إلا بإذنه، ولا يُسلب رزقٌ إلا لحكمة.
  • شمولية الحكم: من السماء (رمز الملكوت والقدرة) إلى الأرض (مستقر الإنسان)، يسري الأمر الإلهي ليرتب الفرح والحزن، النصر والهزيمة، والرفعة والابتلاء.

﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾.. الرقابة والخلود

​لا يقف الأمر عند نزول التدبير، بل يمتد إلى “العروج”، حيث تُرفع الأعمال والنيات والقرارات إلى باريها. هذا العروج يضمن للإنسان أن سعية مشكور، وأن ظلمه لن يُنسى، وأن كل “أمر” دنيوي له صدى في الملكوت الأعلى، حيث يُسجل ويُحاسب عليه دون مثقال ذرة من ظلم.

نسبية الزمن وعظمة اليوم

​تتوقف الآية عند حقيقة مذهلة بقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾. هذا الربط بين التدبير والزمن يوضح أن مقاييس البشر القاصرة لا يمكنها إدراك توقيت الله. فما نراه تأخيراً في استجابة أو نصراً، هو عند الله توقيت مثالي يخضع لمقاييس الآخرة لا لمقاييس دنيانا المحدودة.

رسائل إيمانية من واقعنا المعاصر

​في زمنٍ يطحن فيه القلق قلوب البشر، تأتي هذه الآية لتقدم حلولاً نفسية جذرية:

    1. السكينة النفسية: اليقين بأن المدبّر هو “الله” يطرد الخوف من المجهول.
    2. التوكل الإيجابي: الأخذ بالأسباب مع تفويض النتائج لمدبّر الأسباب.
    3. الثقة بالعدل: حتى لو غابت العدالة الأرضية، فإن “عروج” الأمر للسماء يضمن القصاص والجزاء.

الخلاصة: إن الإيمان بالتدبير الإلهي ليس مجرد فكرة ذهنية، بل هو نمط حياة يجعل الإنسان أهدأ قلباً، وأقوى صبراً، وأعمق بصيرة. فما دام الله هو الذي يدبّر الأمر، فلا مكان لليأس في قلب المؤمن.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى