اخبار العالم

” برلين ” حين يصبح الصمت موقفا على تخوم القرار

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

ليس للمدن خرائط تعلق على الجدران فحسب ، ولا للعواصم أسماء تتكرر في نشرات الأخبار على اختلافها  ، فبعض المدن تولد محملة بالأسئلة ، وتكبر وهي تحمل عبء الإجابات المؤجلة ، وهناك ، حيث يتقاطع التاريخ مع السياسة وتصنع القرارات مصائر لا ترى بالعين وتقف برلين كمدينة تعرف أكثر مما تقول ، وتخفي في صمتها ما لا تحتمله الخطب الصاخبة
ففي هذا المكان لا يمضي الزمن مستقيما ، بل يلتف حول ذاته يعيد إنتاج المعنى ويختبر قدرة الإنسان على التعايش مع الاختلاف ، فكل تحول سياسي هنا ليس حدثا عابرا بل انعكاس لصراع أعمق بين الذاكرة والمصلحة ، بين الخوف والانفتاح ، وبين ما يعلن باسم القيم وما يدار باسم الواقع
ومن بين هذه التحولات ، يولد سؤال الأكبر : هل ما نشهده اليوم هو انتصار للتسامح ، أم إعادة صياغة ذكية لموازين القوة ؟ وهل يمكن للسياسة يوما أن تغير لغتها دون أن تغير جوهرها وبوصلة مسارها ؟
ومن هنا يبدأ السرد ، من هذه المدينة الصامتة تتكشف حكاية عالم يعيد ترتيب أوراقه على مهل

ففي ألمانيا هناك ، حيث جدار برلين الذي كان يوما حدا فاصلا بين عالمين ، بين خوف وأمل ، و بين صمت مسلح وضجيج أيديولوجي لا يهدأ ، لم يكن الجدار حجرا فقط ، بل ذاكرة واقفة وشاهدة على انتصارات أُعلنت باسم العالم ، وعلى معارك خيضت نيابة عنه ، ثم انتهت تاركة المدن تتعلم كيف تعيش مع أشباحها
فبرلين المدينة التي لا تنام تماما ولا تستيقظ بالكامل ، تحمل ثقل السياسة كما يحمل العجوز عصاه ، لا ليستند إليها بل ليتذكر طريقه ، وتبدو صامتة للغريب لكنها في عمقها تضج بأسئلة لا تنتهي ، فكل شارع فيها حوار ، وكل ساحة احتمال ، وبكل حجر هنالك بقايا قرار اتخذ ذات زمن وغير مصير قارة بأكملها
وبالرغم من كل ذلك ، لم تركن المدينة إلى ماضيها ، لقد مضت تخطو بخطى اقتصادية واثقة نحو مكانها بين قوى العالم ، لا كمدينة استعادت وحدتها فقط بل كرمز لعالم تعلم أن يعيد ترتيب نفسه بعد الانكسار ، ففتحت أبوابها لا من باب الشفقة ، بل من بوابة الحاجة والرغبة في التجدد ، وجاءت الشعوب اليها من كل صوب محملة بلغاتها ، بصلواتها ، بأحلامها الصغيرة ، وبخوفها من الغربة الطويلة

في برلين لم يكن اللقاء سهلا فالاختلاف حين يزاحم يتحول إلى ضجيج
فضجت الشوارع بالتناقضات ، وتعالت الأصوات بين من رأى في الهجرة خلاصا إنسانيا ، وبين من شعر أن المدينة تضيق عليه وهو ما زال في اتساعها ، حيث القوانين وضعت ، وعدلت ، وشددت ، ثم خففت ، وكأن الدولة نفسها كانت تتعلم كيف توازن بين قلبها وعقلها
ومع مرور السنوات ، بدأ الخوف يغير لغته ، فلم يعد يهمس بل صار يصرخ ، فلقد تقدمت ” الإسلاموفوبيا ” إلى واجهة المشهد ، لا كفكرة طارئة بل كقلق متراكم يتغذى على أحداث العالم ، وعلى صور تستورد جاهزة ، وعلى خطاب سياسي يعرف جيدا كيف يستثمر الخوف ، حتى ارتفعت الشعارات ، واشتد الجدل ، ووجد المسلم في الغرب نفسه حاضرا في كل نقاش ، وغائبا عن أغلبه
ووقفت المنظمات الحقوقية كجدار آخر ، لكن هذه المرة في وجه الإقصاء
جدار من كلمات ، من بيانات ، من مواقف تذكر بأن العدالة لا تجزأ ، وأن الإنسان لا يختصر في دينه ، ولا يحاكم بزيادة عدده ، ثم وكما تفعل السياسة دائما انعطف المشهد ، وهدأ الضجيج قليلا وظهرت خطوة لم تكن متوقعة وهي
” الجيش الألماني” أكثر المؤسسات صرامة وتنظيما ، يعلن عن خطة ” تعيين مرشدين دينيين للجنود المسلمين في صفوفه ” بقرار صغير في حجمه ، كبير في رمزيته ، وبأعتراف غير مباشر بأن الدين ليس عبئا داخل الدولة ، بل جزء من توازن الإنسان فيها ، وأن الجندي مهما كانت رتبته يحمل في داخله أسئلة لا تجاب بالأوامر العسكرية وحدها

للوهلة الأولى ، بدا القرار وكأنه انتصار للقيم ، وميل واضح لكفة التسامح ، غير أن القراءة الأبعد ، تلك التي لا تستسلم للعاطفة وترى في الخطوة ما هو أعمق من بعدها الإنساني ، فالعالم اليوم لا يدار بالشعارات بل بالمصالح الهادئة
فاليوم قوى اقتصادية كبرى تعيد رسم خرائط النفوذ ، وأسواق تتغير بوصلتها ، وشرق لم يعد ينتظر اعتراف الغرب بوجوده ، إنه تسامح محسوب نعم ، لكنه تسامح يكشف عن وعي جديد وهو أن تجاهل الشرق لم يعد خيارا ، وأن حضوره داخل بنية الغرب صار واقعا لا يمكن القفز فوقه ، فأن تتحول الانتصارات من دبابات إلى قرارات ، ومن صراع مباشر إلى اختراق ناعم للمؤسسات ، فذلك يعني أن المعركة تغيرت لغتها ، واننا اليوم أمام عالم يعيد كتابة نفسه ببطء ، فلا ضجيج فيه يشبه ضجيج الأمس ، ولا انتصارات تعلن من فوق الركام ، بل دبلوماسية صبورة تعرف أن الزمن حليف من يفهمه ،
شرق يفرض حضوره دون أن يرفع صوته ، وغرب يراجع حساباته دون أن يعترف بذلك صراحة ، وهكذا تتبدل ألوان اللوحة ، لا أبيض نقي ، ولا أسود صارخ ، بل مساحات رمادية واسعة ، تتحرك فيها السياسة كفنان يعرف أن أجمل الأعمال تولد من التناقض ، إنه مشهد لم يكن يتخيل يوما ، لكنه يحدث الآن ، بحاضر يتشكل ، ومعايير تنقلب ، وعالم يتعلم رغم كل مقاومته أن يعيش مع الآخر لا فوقه ، وفي برلين اليوم يبدو أن جدرانا أخرى أقل صلابة بدأت تتصدع بصمت ، وصمتها هذه المرة أشبه بوعد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com