اخبار العالم

” بين الصمت والتعالي وفلسفة الخطاب السياسي”

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في زمن تتشظى فيه الكلمات وتغدو الأصوات أعلى من المعاني ، تتآكل اللغة كما تتآكل الأحلام أمام صخب الواقع ، فيصبح الخطاب السياسي أكثر من مجرد رسالة ، يصبح تجربة وجودية ، ومرآة للوعي أو صدى للفوضى ، حيث انه اليوم لم تعد الكلمات تقال لتبني جسور الفهم ، بل ترسم لتسيطر ، لتفرض ، لتسحق ما بين الناس من ضمير وحكمة ، وفي هذا المشهد تتكشف أمامنا صور متداخلة ، حيث صوت الحرية يتقاطع مع الهيمنة ، والمعرفة تتصارع مع القوة العمياء ، والأنا الفردية تتصارع مع ذاكرة الجماعة ، ومن هنا ، بين الصخب والظل نكتشف أن السياسة ليست مجرد إدارة للمصالح ، بل هي رحلة استكشاف للروح ، واختبار لما تبقى من قيم ، وفضاء للتساؤل عن معنى الوجود ، عن الوطن ، عن الإنسان نفسه

ففي زمن تبدلت فيه الكلمات ولم تعد كما كانت ، صارت الخطابات السياسية اليوم أشبه بأمواج عاتية تتلاطم على شواطئ الوعي العام ، بلا رحمة ولا مهادنة ، بلا رقة الدبلوماسية أو نغم الاستجال المنمق الذي كان يزين أيام التاريخ ، صارت اللغة ساحات صراع تلتهم الصمت وتستفز الحواس وتدار من شاشات مضيئة ومنابر تتناثر في كل زاوية ، ومن منصات رقمية تتخطى القارات حتى أصبح كل خطاب مهما بدا صغيرا ، وكأنه صرخة في فضاء عالمي مترامي الأطراف ، فالزمان لم يعد كما كان ولم تعد الرسالة تصل إلى القلوب قبل الآذان بل تسحب نحو الهاوية ، تجرد من حلاوتها ، وتسحق بين أصابع
” الأنا ” والسلطة والغرور ، لم يعد البقاء للأحكم والأفهم بل صار للأقوى ، وللأكثر صخبا ، ولمن يحكم بالتصفيق والرهبة لا بالحكمة والعدل

ان الخطابات اليوم ليست سوى مرايا تعكس رغبات ضيقة ، وأجندات مطلقة عنانها الذات وحدها ، لا الوطن ولا المجتمع ولا حتى ضمير التاريخ
فالشعوب تتحرك اليوم وفق معيار ” التفاخر ” ، ووفق ما تبقى من مخلفات ” الطوفان ” الذي اجتاح البنية الأخلاقية للعالم ، فتصعد إلى الشوارع تتردد بين الصرخة والانتظار ، وتبحث عن إشارات ، عن بوصلة ، عن معنى كل خطاب سياسي صار تجربة وجودية ، يضع المواطن أمام مرآة الوطن ، ليسأله : من نحن؟ وما الذي تبقى من قيمنا ؟ وأي وطن نريد أن نتركه لمن بعدنا ؟
إنها لحظة تاريخية يختلط فيها صوت الحرية بصوت الهيمنة ، وتتعانق المعرفة مع قوة عمياء ، وتتقاطع المصالح الفردية مع مصائر الشعوب ، فالسياسة في هذه اللحظة لم تعد مجرد لعبة مصلحية بل صارت اختبارا للوعي ، وصراعا بين ما يملكه الإنسان من ضمير وما يفرضه الواقع عليه من صخب واغتراب
كل كلمة اليوم تنطق تحمل ثقلها ، كل وعد يقدم يرسم على جدار التاريخ ، وكل خطاب صار دعوة لتأمل الذات والمجتمع معا ، لتذكرنا بأن الكلمة ما زالت قوة ، وأنها ما زالت قادرة على بناء جسر بين القلب والوطن ، وبين الحلم والواقع

اننا في هذا العصر نحتاج أن نعيد النظر في الخطاب ، أن نعيد للغة حضورها الروحي ، وأن نحاول استعادة فلسفة الكلام ، ذلك الصوت الذي يعبر عن الإنسانية قبل السلطة ، عن الفكر قبل الصوت العالي ، عن العقل قبل الصخب علينا أن نستمع إلى ما بين السطور ، إلى الصمت الذي يسبق الصراخ ، إلى الإشارة التي تسبق الإعلان ، وإلى الحقيقة التي تختبئ خلف الأقنعة ، فربما بين هذا الصخب وهذا الانحدار تكمن فرصتنا الأخيرة لنستعيد شيئا من حكمة الزمن ورفعة الخطاب ، لنصنع من السياسة تجربة وجودية ومن الوطن مساحة للمعنى لا مجرد صراع للأقوى

ففي هذا الفضاء من زماننا نجد أن السياسة ليست مجرد فن إدارة بل هي تجربة وجودية ، هي اختبار لما تبقى من إنسانيتنا ، لما تبقى من قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والوهم ، بين الصالح والأناني ، وبين الخطأ والحق ، فالسياسة كما اللغة ، كما الخطاب ، كما المواطن نفسه ، هي رحلة بحث دائمة عن وطن ، عن قيم ، عن معنى ، وعن ضوء وسط الظلال ، إن خطاب هذا الزمان يحمل في طياته قوة مزدوجة ” قوة البناء وقوة الهدم ” يمكن أن يبني وعينا ، و يمكن أن يشرذنا، يمكن أن يربطنا بأوطاننا أو أن يبعدنا عن جوهرها ، كل كلمة سياسية اليوم تختبر صبرنا وقدرتنا على القراءة بين السطور ووعيننا على المستقبل الذي نريد أن نصنعه لا المستقبل الذي يفرضه الصخب ، وفي خضم هذه المعركة بين اللغة والسلطة، والواقع والمثل الأعلى ، تتجلى الحاجة إلى استعادة روح الخطاب ، روح اللغة ، روح الفكر ، لنعيد للخطاب وجوده الروحي ونحاول استعادة فلسفة الكلام ، والصوت الذي يعبر عن الإنسانية قبل السلطة ، ربما الان لا نجد الإجابة بسهولة وربما يكون الطريق طويلا ووعرا لكنه الطريق الذي لا بد منه ، الطريق الذي يعيد للكلمة حرمتها ، ويعيد للخطاب مكانته ، ويعيد للوعي دوره في صياغة وطن لا يسحق تحت وطأة صخب الأقوى ، وطن ينبض بالفهم والعدل والإنسانية ، وطن يحاكي الروح قبل أن يحاكي المنصب ، وطن يجعل من السياسة كما من اللغة ، تجربة حياتية عميقة تجربة وجودية ، تجربة شعرية ، تجربة ناضجة كما ينبغي أن يكون كل خطاب لكل زمن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى