لايت

لوحة الاسبوع /  ” عربة القش ” نشيد الريف الانجليزي لكونستابل

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

ليست بعض اللوحات مجرد ألوان على قماش ، بل ذاكرة معلقة بين زمنين ،
وشهادة صامتة على علاقة الإنسان بالأرض قبل أن يعلو ضجيج الآلة ، ومن بين هذه الأعمال تقف لوحة ” عربة القش ” لجون كونستابل كهمسة ريفية خالدة ،
تحكي عن بساطة لم تزيف ، وعن طبيعة كانت ترى بالقلب قبل العين ، هي لوحة لا تستعرض جمالها بل تبوح به ، وتدعونا إلى التأمل في عالم كان الانسجام فيه لغة الحياة اليومية ، حيث الإنسان جزء من المشهد
والطبيعة ليست خلفي بل روحا نابضة

فتعد لوحة ” عربة القش ” واحدة من أعظم الأعمال الفنية في تاريخ الرسم الطبيعي التي أبدعها الرسام الانجليزي ” جون كونستابل ” ، أحد رواد المدرسة الرومانسية في إنجلترا ، ان هذه اللوحة المعروضة اليوم في المعرض الوطني بلندن ليست مجرد مشهد مرسوم ، بل نافذة مفتوحة على روح الريف الإنجليزي في مطلع القرن التاسع عشر ، حيث تصور اللوحة مشهدا ريفيا هادئا تنبض فيه الحياة ببساطتها ، من عربة قش تجرها الخيول تعبر نهرا ضحلا الى فلاحون يؤدون أعمالهم اليومية في سكينة وتحيط بهم بيوت ريفية قديمة وطبيعة خضراء مترامية تعلوها سماء واسعة مثقلة بالغيوم المتحركة ، ولا تسعى هذه اللوحة إلى إثارة حدث درامي أو قصة صاخبة ، بل تمجد الانسجام العميق بين الإنسان والطبيعة، وكيف يتعايش العمل اليومي مع هدوء الأرض وكرمها

لقد استوحى كونستابل هذا المشهد من ” وادي ستور” ، المنطقة التي نشأ فيها وارتبط بها وجدانيا ، فكانت الطبيعة بالنسبة له ذاكرة حية وملاذا روحيا ، ولهذا حملت اللوحة معاني إنسانية عميقة ، أبرزها الحنين إلى الريف قبل زحف الثورة الصناعية وتمجيد العمل اليدوي والحياة البسيطة ، إضافة إلى رفض صامت لتشويه البيئة بفعل التصنيع المتسارع ، فلم يرسم كونستابل الطبيعة كما ” ينبغي أن تكون ” بل كما يراها ويشعر بها بصدق عاطفي ورؤية شخصية
وقد اعتمد بها على الألوان الزيتية على القماش ، واهتم بشكل لافت بحركة الغيوم وانعكاس الضوء على الماء ، وتنوعات اللون الأخضر ، وكان من أوائل الفنانين الذين خرجوا إلى الطبيعة لرسم دراسات سريعة في الهواء الطلق ، ثم العودة لاستكمال أعمالهم في المرسم ، كما تميز بدراسته العلمية للسماء ، حيث دون ملاحظات دقيقة عن أنواع الغيوم وأوقات اليوم واتجاه الرياح ، مؤمنا بأن ” السماء هي المفتاح الأساسي للمنظر الطبيعي ” لذلك احتلت السماء مساحة واسعة في اللوحة ومنحتها الغيوم المتحركة إحساسا بالحياة والتجدد ، دون مبالغة في الضوء أو الألوان ، ورغم كل هذا الإبداع لم تلق لوحة ” عربة القش ” التقدير الذي تستحقه في إنجلترا عند عرضها الأول ، في حين وجدت في فرنسا احتفاء كبيرا بها ، وتأثر بها الرسام الفرنسي ” أوجين ديلاكروا ” وقد نالت اللوحة ميدالية ذهبية في صالون باريس ، وهو ما أسهم في رفع مكانة كونستابل عالميا ، وتعد اليوم ” عربة القش ” من أعظم اللوحات في العالم ، لأنها غيرت نظرة الفن إلى الطبيعة ، ومهدت الطريق لاحقا للمدرسة الانطباعية فقد جمعت بين الدقة والإحساس ، وقدمت مشهدا عاديا بروح إنسانية عظيمة فهذه العربة ليست مجرد عنصر في لوحة ، بل رسالة حب للطبيعة وللريف وللإنسان البسيط ، ورفض هادئ لقسوة الحداثة الصناعية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى