حكايات

” حين تتعانق الأجراس والمآذن ” سردية التعايش في أرض الأنبياء

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في المشرق لا تسير الأديان جنبا إلى جنب كأفكار متجاورة فحسب بل كجيران في الحي ذاته ، كأصوات تتعاقب فوق المآذن وأجراس الكنائس ، وكذاكرة واحدة وإن تعددت رواياتها ، فهنا لم يكن الوجود ” المسيحي ” طارئا ولم يكن الحضور الإسلامي عابرا كلاهما ولد في هذه الجغرافيا وتكون في تربتها وتشكل وعيه في ظل صراعاتها وتحولاتها ، من القدس إلى دمشق ومن الموصل إلى بيروت ، كانت الحكاية واحدة في تاريخ طويل من التفاعل تتخلله لحظات توتر لكنه في جوهره تاريخ تشارك حضاري عميق

فمنذ الفتوحات الإسلامية الأولى دخل المسيحيون في نسيج الدولة الجديدة بوصفهم جزءا من أهل البلاد ، وتشكلت صيغة اجتماعية وقانونية نظمت العلاقة وتطورت عبر العصور من مفهوم الحماية إلى مفهوم المواطنة ، ففي ” العهد الأموي ” في دمشق شارك المسيحيون في الإدارة والترجمة والطب وأسهموا في بناء مؤسسات الدولة ، وفي ” العصر العباسي ” كان للمسيحيين دور بارز في حركة الترجمة التي نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية فأصبحوا بذلك جسرا بين الحضارات

نعم لم تكن العلاقة دائما مثالية حيث شهدت توترات مرتبطة بالسياسة والسلطة لا بالعقيدة وحدها ، غير أن المشرق على امتداد قرونه لم يعرف قطيعة وجودية بين مسلميه ومسيحييه بل إن اللغة العربية نفسها اصبحت وعاء مشتركا للوجدانين ، فكتب بها اللاهوتي كما كتب بها الفقيه وأنشد بها الشاعر في الكنيسة كما في المسجد ، ومع صعود الحركات القومية العربية في القرن العشرين برز مسيحيون مشرقيون في طليعة المشروع النهضوي ، لم يكن انتماؤهم الديني عائقا بل عنصر ثراء ، ففي لبنان تشكل نظام سياسي قائم على تقاسم السلطة بين الطوائف في محاولة لترجمة التعدد إلى صيغة حكم ، وفي العراق وسوريا عاش المسيحيون ضمن دولة وطنية حديثة سعت نظريا إلى تجاوز الانقسام الطائفي لصالح هوية جامعة ، غير أن التحولات السياسية والحروب وصعود الهويات الفرعية جعلت التعايش هشا في بعض المراحل ، فمع احتلال العراق عام 2003 ومع اندلاع الحرب في سوريا عام 2011 ، وجد مسيحيو المشرق أنفسهم أمام موجات هجرة غير مسبوقة تهدد بتفريغ المنطقة من أحد أقدم مكوناتها

فإذا كان المشرق قد عاش التعدد بوصفه قدرا تاريخيا ، فإن العالم اليوم يبحث عن صيغ لإدارته بوصفه خيارا سياسيا ، ففي ” الإمارات العربية المتحدة ” اتخذت خطوات رمزية وتشريعية لتعزيز ثقافة التسامح أبرزها إعلان “عام التسامح ” 2019 وزيارة البابا فرنسيس إلى أبوظبي وتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية ، وفي ” المغرب”  يحظى الوجود المسيحي واليهودي باعتراف دستوري ضمن مكونات الهوية الوطنية ، أما في اوروبا فتمثل دول مثل ” فرنسا ” نموذجا للعلمانية التي تفصل بين الدين والدولة في محاولة لضمان المساواة القانونية وإن بقي التحدي قائما في إدارة التنوع الثقافي فعليا ، وفي ” كندا ” تتبنى الدولة سياسة التعددية الثقافية بوصفها جزءا من هويتها الرسمية معتبرة التنوع مصدر قوة لا تهديدا ، أن هذه النماذج لا تستنسخ حرفيا في المشرق ، لكنها تقدم دروسا بأن التعايش لا يبنى على المجاملات بل على قوانين عادلة ومناهج تعليمية منفتحة وخطاب ديني يعترف بالآخر شريكا في الوطن لا ضيفا عليه ، فحين يتعايش المسلم والمسيحي في مدينة واحدة لا يتبادلان المجاملات الدينية فقط بل يتشاركان السوق والجامعة والمستشفى والذاكرة اليومية

أن التعدد في ذلك يخلق دينامية ثقافية وموسيقى مشتركة ومطبخا متداخلا ، بأعياد تتقاطع فيها التهاني وبمدن مختلطة تتسع المخيلة بها ، لأن الإنسان يرى العالم من زاويتين لا من زاوية واحدة ، أما حين ينهار التعايش فإن المدن تفقد روحها وتتحول الأحياء إلى جزر مغلقة ويخسر الاقتصاد كفاءاته وتضيق الثقافة حتى تختنق ، فالهجرة الجماعية لمسيحيي بعض مناطق العراق وسوريا لم تكن خسارة ديموغرافية فحسب بل خسارة لطبقة وسطى متعلمة ولمخزون من الذاكرة والمهارات ، لذلك ليس المستقبل امتدادا آليا للماضي بل إنه قرار سياسي وثقافي إذا أعيد تعريف المواطنة في المشرق على أساس المساواة الكاملة أمام القانون ، وإذا تم تحييد الدين عن الصراعات السلطوية فإن التعدد سيعود مصدر إلهام لا قلق ، أما إذا استمر توظيف الهوية الدينية في الصراع السياسي فسيبقى النزيف مفتوحا

إن التعايش الحقيقي لا يعني ذوبان الفوارق بل إدارتها بأخلاق العدل ، بأن يبقى كل مؤمنا بعقيدته لكنه يعترف بحق الآخر في أن يؤمن بطريقة مختلفة ، فهذا الاعتراف المتبادل هو ما يحول الجغرافيا من ساحة صراع إلى فضاء معنى ، ففي النهاية مسيحيو المشرق ليسوا ” أقلية ” بالمعنى التاريخي بل أحد وجوه المكان ، والمسلمون ليسوا ” أغلبية ” بالمعنى العددي فحسب بل مسؤولية أخلاقية تجاه شركائهم في الوطن ، وبين الأكثرية والأقلية وبين الأذان والجرس تتشكل حضارة لا تقاس بعدد السكان بل بقدرتها على احتضان الاختلاف

لذلك سؤال التعايش في المشرق ليس سؤال الماضي بل سؤال الغد في : هل نختار أن نكون أبناء ذاكرة مشتركة ، أم أسرى خوف متبادل؟ ، فالجواب لا يكتب في الكتب وحدها بل في السياسات ، وفي المدارس ، وفي تفاصيل الحياة اليومية حيث يلتقي الإنسان بالإنسان قبل أن يلتقي الدين بالدين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com