اخلاقنا

الست ست … و الراجل راجل

بقلم – شريف غالب 

في زمنٍ أصبحت فيه كلّ الحدود قابلةً للنقاش، ظهرت جملة بسيطة لكنها محمّلة بمعانٍ كبيرة: “الست ست والراجل راجل”. البعض يسمعها فيظن أنها مجرد تعبير تقليدي قديم، بينما يرى آخرون أنها تذكير بهوية إنسانية لا يجب أن تضيع وسط التعقيد الحديث.

الحقيقة أن هذه الجملة ليست عن التفوق ولا المقارنة، بل عن فهم الاختلاف الذي يصنع التوازن. الست ليست نسخة مخففة من الرجل، والرجل ليس بديلاً عن الست. كلٌّ منهما يحمل طريقة مختلفة في رؤية الحياة والتعامل معها.

الست غالبًا تنظر إلى الأشياء بعين التفاصيل، بعاطفة تشعر بما بين الكلمات قبل الكلمات نفسها. أما الرجل، فيميل أحيانًا إلى رؤية الصورة الكبيرة، إلى الحلول المباشرة، إلى الحركة نحو الهدف حتى لو لم يفهم كل التفاصيل في الطريق.

عندما يلتقي هذان الأسلوبان، لا يحدث صراع بالضرورة، بل قد يحدث تكامل. المشكلة بدأت عندما حاول المجتمع أحيانًا أن يثبت أن أحدهما يجب أن يصبح مثل الآخر. فصارت بعض العلاقات ساحة منافسة بدلًا من أن تكون مساحة تعاون. وكأن السؤال أصبح: من الأقوى؟ من الأنجح؟ من الذي يستطيع أن يعيش بدون الآخر؟ بينما السؤال الحقيقي ربما كان يجب أن يكون: كيف نعيش معًا بشكل أفضل؟

الست عندما تكون ستًا بحق، فهي ليست ضعيفة كما يظن البعض، بل لديها قوة من نوع مختلف: قوة الاحتواء، وقوة الصبر، وقوة القدرة على بناء بيت من مجرد شعور بالأمان. والرجل عندما يكون رجلًا بحق، فالقضية ليست في الصوت العالي أو السيطرة، بل في المسؤولية، وفي القدرة على الحماية والدعم والثبات عندما تتغير الظروف.

الغريب أن أجمل العلاقات لا تقوم على التشابه الكامل، بل على الاختلاف المفهوم. مثل قطعتين من صورة واحدة؛ كل قطعة تبدو ناقصة وحدها، لكن عندما تلتقيان تظهر الصورة كاملة.

ليس معنى ذلك أن كل رجل يجب أن يكون بنفس الصفات، أو أن كل امرأة نسخة واحدة. الناس تختلف، والشخصيات تتنوع، لكن الفكرة الأعمق أن هناك طبيعة إنسانية لكل طرف تجعل العلاقة بينهما مميزة.

وربما لهذا السبب، رغم كل التغيرات في العالم، ما زال الناس يبحثون عن نفس الشعور القديم: شخص يفهمهم بطريقة مختلفة عن أي شخص آخر. ليس لأن أحدهما أفضل من الآخر، بل لأنهما مختلفان بما يكفي ليكملا بعضهما.

في النهاية، عبارة “الست ست والراجل راجل” قد لا تكون دعوة للعودة إلى الماضي، ولا رفضًا للتطور، بل ربما تكون دعوة لفهم بسيط: أن الاختلاف ليس مشكلة يجب حلها، بل سر يجب احترامه.

وعندما نفهم ذلك، تتحول العلاقة من صراع خفي إلى توازن هادئ… توازن يجعل الحياة أقل تعقيدًا وأكثر إنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى