رحل فى مثل هذا اليوم الموسيقار عمار الشريعى

كتب محمد عبد اللطيف بدوي
عمار الشريعي (1948–2012) واحد من أبرز الموسيقيين والملحنين في العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وقد ترك بصمة خاصة ومتفردة في تطور الموسيقى العربية الحديثة. وُلد في محافظة المنيا، وفقد بصره في أيامه الأولى، لكن ذلك لم يمنعه من تكوين موهبة استثنائية، إذ بدأ دراسة الموسيقى مبكراً وتعلّم العزف على عدة آلات أبرزها العود والأورغ والبيانو، وتميّز بقدرة نادرة على تمييز الأصوات والألحان وتحليلها.
تخرّج الشريعي في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، ثم واصل دراسة الموسيقى في عدد من المؤسسات داخل مصر وخارجها، ومنها أكاديمية الفنون. بدأ حياته المهنية عازفاً وموزعاً موسيقياً قبل أن ينتقل إلى التلحين، فكان له حضور قوي في مجالات الدراما التليفزيونية والسينما والأغنية.
قدّم مئات الأعمال الموسيقية، من أهمها موسيقى مسلسلات مثل رأفت الهجان، ليالي الحلمية، الشهد والدموع، المال والبنون، أرابيسك، وأبواب الشك. كما لحّن لكبار المطربين مثل علي الحجار، مدحت صالح، أنغام، لطيفة، نجاة الصغيرة وغيرها.
كان الشريعي كذلك ناقداً موسيقياً لامعاً عبر برنامجه الإذاعي الشهير “غواص في بحر النغم” الذي قدم فيه قراءات تحليلية مبسّطة للجمهور، أسهمت في رفع الوعي الموسيقي لدى المستمع العربي.
كان تأثير عمار الشريعي عميقاً ومتعدداً، ويمكن تلخيصه في عدة نقاط:
تجديد الموسيقى التصويرية في الدراما العربية
أحدث نقلة نوعية في موسيقى المسلسلات والأفلام، بجعلها جزءاً أصيلاً من العمل الدرامي، لا مجرد خلفية صوتية. اعتمد على بناء تيمة موسيقية تحمل روح العمل وتعكس حالاته النفسية والإنسانية.
الدمج بين التراث والحداثة
حافظ على روح المقامات الشرقية الأصيلة، لكنه دمجها بتقنيات توزيع غربي حديث، خصوصاً في استخدام الأورغ، والآلات الإلكترونية، ما منح موسيقاه شخصية متجددة دون أن تفقد جذورها.
إحياء دور الموسيقي المثقف
قدم نموذجاً للموسيقي الواعي بثقافة عصره، القادر على التحليل والنقد والتجديد، وليس مجرد ملحن أو مؤدٍّ. فتح الباب أمام جيل من الموزعين والملحنين الذين درسوا الموسيقى بعمق قبل أن يمارسوها.
تطوير التوزيع الموسيقي في الأغنية العربية
كان من أوائل من أدخلوا روح التوزيع الغربي المنظم، مع الحفاظ على الطابع العربي الشرقي، مما فتح المجال لمدارس جديدة في التوزيع منتصف الثمانينيات والتسعينيات.
تأثيره على الموسيقى الشعبية
قدّم بعض التجارب التي مزجت بين الموسيقى الكلاسيكية الشرقية والإيقاعات الشعبية، ما شجّع على تعميم هذا الاتجاه لاحقاً.
رفع الذائقة الموسيقية لدى الجمهور
من خلال برنامجه الإذاعي ومداخلاته، أسهم في تعليم الجماهير كيفية الإصغاء إلى الموسيقى وفهمها، مما جعل الموسيقى فناً تحليلياً لا مجرد ترفيه.
كان عمار الشريعي موسيقياً موسوعياً، جمع بين الرؤية الفنية العميقة والابتكار، وبين الجذور والتراث، وبين الدراما والوجدان. ترك إرثاً لا يُنسى أثّر في شكل الأغنية والموسيقى التصويرية في العالم العربي، وما زالت بصمته حاضرة في وجدان المستمعين وفي أعمال الملحنين الذين جاؤوا بعده.