نقطة تحول في دمشق: آفاق النمو الاقتصادي في سوريا بعد إلغاء قانون قيصر.. من العزل إلى الانفتاح المنظم

بقلم: المستشار كرم خليل
يمثل قرار مجلس النواب الأمريكي الأخير، القاضي بإلغاء قانون قيصر ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، تحولاً جوهرياً في مسار الاقتصاد السوري، على الرغم من أن الإلغاء لم يصبح نافذاً رسمياً بعد. التصويت بأغلبية واسعة (312 مقابل 112) يشير إلى تغيير في المزاج السياسي بواشنطن، وتحول من سياسة “العقوبات القصوى” إلى مقاربة جديدة ترى في سوريا شريكاً محتملاً في استقرار الإقليم. المستشار الأول كرم خليل يرى أن مرحلة ما بعد قيصر قد بدأت فعلياً، حيث تستجيب المؤسسات المالية الدولية للإشارات السياسية المسبقة.
لماذا يعد الإلغاء تحولاً اقتصادياً محورياً؟
أدت العقوبات في السنوات الماضية إلى شلل في العلاقات المالية الخارجية، وعرقلة الاستيراد، وامتناع البنوك الدولية عن التعامل مع النشاط السوري. إلغاء القانون سيؤدي تدريجياً إلى:
* فتح القنوات المالية: تخفيض تقييم المخاطر وتشجيع المؤسسات المصرفية والشركات على إعادة تقييم السوق السورية.
* تنظيم الاقتصاد: إعادة النشاط الاقتصادي إلى بيئة أعمال منظمة والحد من “اقتصاد الظل” (شبكات التهريب والاحتكار غير النظامية) الذي ازدهر تحت وطأة القيود.
التأثيرات المتوقعة على القطاعات الحيوية:
* قطاع الطاقة: يُعد المحرك الأساسي؛ فإعادة تأهيل محطات التوليد وتحديث شبكات النقل وتنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة يمكن أن يرفع معدل النمو بين 2.5% و 3% في السنوات الأولى.
* القطاع الصناعي: سيعود تدريجياً إلى طاقته التشغيلية مع استقرار الإمدادات وتراجع كلفة الاستيراد، مما يعزز الصادرات وخلق الوظائف.
* الزراعة واللوجستيات: تستفيد من توفير مستلزمات الإنتاج وتسهيل التصدير، مما ينعكس سريعاً على الأمن الغذائي ودخل الريف.
* الاتصالات والتكنولوجيا: يفتح الباب أمام تحديث البنية الرقمية، وجذب الشركات التقنية العالمية، وتطوير التحول الرقمي.
انعكاسات على مؤشرات الاقتصاد الكلي:
من المتوقع أن ينعكس الإلغاء على المؤشرات الكلية على النحو التالي:
* سعر الصرف والتضخم: تحسن تدريجي في سعر الصرف نتيجة زيادة التحويلات الرسمية، وانخفاض كلفة الاستيراد مما يؤدي إلى تباطؤ التضخم وتحسن القدرة الشرائية.
* الناتج المحلي الإجمالي: ارتفاع معدلات النمو قد تصل إلى 4% خلال السنوات الثلاث الأولى، وربما 6% على المدى المتوسط.
* سوق العمل: توسع عبر تشغيل المصانع وزيادة مشاريع الإعمار وتدفق الاستثمارات.
الدعم الدولي وشروط الاستفادة القصوى:
يؤكد المستشار كرم خليل أن المؤسسات الدولية مثل DFC وEBRD والبنك الدولي مستعدة لدعم مشاريع إعادة الإعمار. وللاستفادة القصوى من هذه المرحلة المفصلية، يجب على سوريا العمل بالتوازي على:
* التشريعات: تحديث البيئة التشريعية لجذب الاستثمار وحماية رأس المال.
* الشفافية: تعزيز الشفافية المالية والحد من اقتصاد الظل.
* إعادة الهيكلة: إعادة هيكلة القطاع العام الإنتاجي لرفع الكفاءة.
* خطة وطنية: إطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار تركز على الطاقة والنقل والصناعة والتكنولوجيا.
يعد إلغاء قانون قيصر خطوة حاسمة للانتقال من اقتصاد مثقل بالاختناقات إلى اقتصاد قادر على النمو والتخطيط، ونجاح هذه المرحلة يتطلب رؤية اقتصادية واضحة وشراكات دولية فعّالة.
