بقلم: محمد الشريف
يحكي الإمام ابن الجوزي – رحمه الله – عن يومٍ غريبٍ في حياته، يومٍ بدأ بالراحة والنوم في المسجد، وانتهى بكرامةٍ عظيمةٍ لم تخطر له على بال.
يقول: كنت يومًا من الأيام نائمًا في المسجد، فاستيقظت على صوت جنازة قد دخلت، فقلت في نفسي: سأصلي عليها، لعل الله يجعل لي فيها أجرًا.
لم يكن يعرف المتوفَّى، ولم يره في حياته، لكنه تحرك بدافع الإيمان والرحمة، وشارك في الصلاة عليه.
_الموقف الذي غير مجرى القصة:
بعد الصلاة، قال ابن الجوزي: سأذهب لأدفنه معهم.
وبالفعل، تبع الجنازة حتى المقابر، وظل يشارك في الدفن بهدوء، حتى انتهى الناس وانصرفوا جميعًا، وبقي هو وحده بجوار القبر.

جلس أمام القبر متأملًا ثم رفع رأسه إلى السماء وقال:
“يا رب، هذا ضيف قد جاء عندك، وأنا لا أعرفه، ولو جاء ضيف إلى بيتي لا أعرفه لأكرمته، فكيف بك وأنت أكرم الأكرمين؟”
كانت كلمات بسيطة، صادقة، خرجت من قلبٍ مخلصٍ لا يرجو سوى وجه الله.
ثم نهض ابن الجوزي، وعاد إلى المسجد ليستريح بعد يومٍ طويلٍ من السفر، لا يعلم أن الله قد اختار له مكافأة عظيمة في تلك الليلة.
_الرؤيا التي حملت البشارة:
يقول ابن الجوزي: نمت في المسجد، فرأيت في منامي رجلًا يرتدي حلة بيضاء، وجهه مشرق، اقترب مني وقال: أأنت الذي دعوت الله لي؟
فقلت متعجبًا: من أنت؟
قال الرجل: أنا الذي صليت عليّ ودعوت لي عند القبر، والله لقد غفر الله لي بدعوتك.
استيقظ ابن الجوزي متأثرًا، وقد علم أن الله يتقبل الدعاء الصادق حتى من قلبٍ لا يعرف لمن يدعو، إذا كان خالصًا لله تعالى.
_الرسالة والعبرة:
ما أروعها من قصة تفيض بالمحبة والرحمة والإخلاص!
فدعوة صادقة من قلبٍ مخلص، لا يعرف الميت، كانت سببًا في مغفرة الله له.
وفيها تذكير لكل إنسانٍ ألا يحتقر عملًا صالحًا، فرب كلمةٍ أو دعوةٍ تكون سببًا في رحمةٍ واسعةٍ من رب العالمين.
اللهم سخر لنا من عبادك المخلصين من يدعون لنا بصدقٍ وإخلاص، فتقبل دعاءهم، واغفر لنا ولهم برحمتك، يا أرحم الراحمين.



