آسيا داغر في ذكرى رحيلها.. “عميدة المنتجين” التي طوعت المستحيل لصناعة السينما

بقلم: آية سالم
تمر اليوم الذكرى الأربعون لرحيل الرائدة والمنتجة القديرة آسيا داغر، التي فارقت عالمنا في 12 يناير 1986، تاركةً خلفها تاريخاً حافلاً بالمعارك الفنية والنجاحات التي جعلت منها “عميدة المنتجين” بلا منازع. هي المرأة التي لم تكتفِ بدخول عالم الفن، بل وضعت حجر الأساس لإمبراطورية إنتاجية غيرت وجه السينما المصرية والعربية.
من لبنان إلى الإسكندرية.. رحلة الإرادة
بدأت قصة “ألماظة داغر” من قرية تنورين اللبنانية، حيث قادتها الظروف بعد وفاة زوجها لشد الرحال إلى مصر. وفي الإسكندرية، بدأت رحلة كفاح مريرة، حيث اضطرت لإخفاء أمومتها لابنتها “منى” والادعاء بأنها ابنة متبناة، حمايةً لها من نظرة المجتمع للفن في ذلك الوقت. ومن دور ثانوي في فيلم “ليلى” عام 1927، انطلقت آسيا لتكون أول فنانة لبنانية تظهر على الشاشة المصرية، لكن طموحها كان أبعد من مجرد الوقوف أمام الكاميرا.
لوتس فيلم.. معجزة الإنتاج بلا تمويل
أسست آسيا شركة “لوتس فيلم” بالتعاون مع المخرج أحمد جلال وابنة شقيقتها ماري كويني. وبإرادة فولاذية، تغلبت على الأمية بجعل شقيقتها تقرأ لها النصوص، وكانت تعمل لأكثر من عشرين ساعة يومياً، وتقوم بتجفيف أشرطة الأفلام يدوياً فوق أسطح الاستوديوهات. ولم ترهبها الأزمات الرقابية، حيث خاضت معركة شرسة لعرض فيلم “عيون ساحرة” – أول فيلم خيال علمي مصري – حتى تدخل رئيس الوزراء حينها للسماح بعرضه.
صانعة النجوم وعمالقة الإخراج
لم تكن داغر مجرد ممولة، بل كانت “كشافة” بارعة للمواهب؛ فهي من قدمت المخرجين العمالقة مثل هنري بركات، وحسن الإمام، وكمال الشيخ. وهي من اكتشفت سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة في بداياتها، والشحرورة صباح، وصلاح نظمي. كما سجلت ريادة تقنية بإنتاج أول فيلم مصري بالألوان بتقنية “السينما سكوب”، وأول من تجرأ على تصوير فيلم كامل في الشوارع.
الناصر صلاح الدين.. التاج المرصع بالتحديات
توجت آسيا داغر مسيرتها بإنتاج الملحمة التاريخية “الناصر صلاح الدين”، وهو الفيلم الذي رصدت له أضخم ميزانية في تاريخ السينما المصرية وقتها، وحظي بدعم حكومي استثنائي تقديراً لمكانتها. رحلت “عميدة المنتجين” بعد مشوار طويل، تاركةً “لوتس فيلم” كأطول شركات الإنتاج عمراً، وشاهداً على قصة امرأة لم تعرف المستحيل، وصنعت مجداً سينمائياً سيظل محفوراً في ذاكرة التاريخ.



