اخبار العالم

” المانيا ” البلد التي تخفي حساباتها خلف الأبواب

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

ليس كل ما يدار يرى ، وليس كل ما يقال يقصد ، فبعض الأوطان تتقن فن الإخفاء كما تتقن فن النظام ، وفي اللحظات التي يعلو فيها الضجيج حول الأبواب المفتوحة وحول من دخل ومن خرج منها واليها ، يصبح السؤال الحقيقي ألاقل حضورا في : من يقف في الداخل ؟ ومن يعيد توزيع الصمت بدل الحقيقة ؟

ففي بلد فتح أبوابه على مصراعيه للهجرة بوصفها حاجة اقتصادية ، وللجوء بوصفه التزاما أخلاقيا وسياسيا ، وجدت ” ألمانيا ” نفسها في قلب معادلة معقدة تتقاطع فيها القيم الإنسانية مع الحسابات المالية ، فبين اليد العاملة القادمة لسد فجوات سوق العمل ، واللاجئين الذين فرضت حمايتهم بقوانين دولية ، تشكلت فجوة في الخطاب العام بين من يرى في الهجرة استثمارا طويل الأمد ومن يصورها عبئا مباشرا على الاقتصاد والمجتمع

وفي خلال السنوات الأخيرة تصاعدت أصوات سياسية وشعبية تحمل الهجرة مسؤولية تآكل مستوى المعيشة وازدياد الضغط على سوق العمل وتراجع شعور الاستقرار لدى الفرد الألماني ، وعلى هذا الأساس بدأت الحكومة تتحرك لتقييد سياسات الهجرة تحت شعار ” حماية المواطن والدولة من الاستنزاف الاقتصادي ” غير أن هذا المشهد على وضوحه الظاهري يخفي وراءه طبقات أعمق من المصالح والتناقضات ، فبعيدا عن الجدل المعلن ، تعيش في ألمانيا طبقة مخملية منعزلة عن نبض المجتمع ، تنعم برفاهية شبه مطلقة وتتحرك ضمن شبكة من النفوذ السياسي والاقتصادي دون أن تتحمل نصيبها العادل من المسؤولية الاجتماعية ، ان هذه الطبقة التي لا تظهر في الإعلام أو تخضع للمساءلة العامة ، استطاعت عبر قنوات قانونية وسياسية معقدة أن تحصن ثرواتها من الضرائب ، وأن تبقي مساهمتها في دعم الطبقة المتوسطة والفقيرة عند حدودها الدنيا ، ورغم أن واحدا في المئة من السكان يمتلك أكثر من ربع ثروة البلاد فيما يعيش ما يقارب نصف المجتمع دون أي رصيد حقيقي من الأصول ، فإن هذا الخلل البنيوي لا يحتل صدارة النقاش العام ، فالأثرياء في ألمانيا ليسوا غائبين عن الواقع بل محجوبين عنه ، بعضهم ورثة لإمبراطوريات اقتصادية قديمة وبعضهم صعد من الصفر ، وآخرون راكموا ثرواتهم في الظل بعيدا عن الأضواء ، وجميعهم يجتمعون عند رفض إعادة توزيع عادل للثروة تحت ذريعة ” الجهد الفردي والنجاح الذاتي ” ، وهي ذريعة كثيرا ما تستخدم لتبرير مصالح سياسية واقتصادية مشتركة مع الدولة

ورغم ان المشهد يقدم للرائي العام بأن ألمانيا على حافة الفقر ، وأن التقشف قدر لا مفر منه ، وأن الهجرة هي السبب المباشر لهذا التدهور ، الا أن هذه السردية تبدو أقرب إلى ستار كثيف يخفي خلفه سياسات اقتصادية أوسع ، اختارت أن تحمي رأس المال أكثر مما تحمي الإنسان ، وأن تؤجل مواجهة الفجوة الطبقية عبر تحميل الفئات الأضعف كلفة الاختلالات البنيوية ، والمفارقة أن هذا يحدث في بلد عرف تاريخيا بثوراته ضد الظلم وبنظامه الصارم وبقدرته على إعادة بناء نفسه من تحت الركام ، يبدو اليوم كالوحة غير مكتملة ، وكأن فرشاة الحقيقة قد نزعت عمدا قبل أن تلامس زواياها المعتمة

فالعالم الان يشهد تحولات جذرية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية ، وألمانيا ليست استثناء من هذا المسار بل أحد أبرز أمثلته ، وفي خضم هذا المشهد ، يذهب بعضهم إلى اعتبار أن الخطاب الاقتصادي المجحف والمعلن ضد الهجرة ليس سوى واجهة لسياسات أعمق ، وأن التاريخ بما يحمله من أثقال أخلاقية وسياسية لا يزال يلقي بظلاله على قرارات الدولة ، سواء عبر شعور دائم بالذنب أو عبر التزامات غير قابلة للنقاش في الوعي الجمعي ، وهي قراءة وإن كانت مثار جدل تعبر عن أزمة ثقة متزايدة بين المواطن والنظام ، أكثر مما تعبر عن حقيقة مؤكدة ، في المحصلة لا تبدو أزمة ألمانيا أزمة هجرة بقدر ما هي أزمة عدالة ، ولا مشكلة لجوء بقدر ما هي مشكلة توزيع ، حيث يطلب من المواطن العادي أن يشد الحزام ، بينما يبقى الحزام نفسه واسعا بما يكفي لمن يجلسون في أعلى الهرم ، لتصل الينا بذلك رسالة اعمق في البعد السياسي والاقتصادي لحقيقة كبرى تغيب عمدا عن المشهد وهي ان هناك غطاء سياسي اقتصادي كبير تديره الدولة بسرية تامة تحت ضغط ايادي ” الهولوكوست ” الخفية التي تفرض شروط اقتصادها على الدولة الالمانية تحت تهديد مبطن لما حدث على مر سنوات وتحمل ثمن ذلك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى