” اوراق السلام بين ضلوع السماء ” حين تتنفس الأرض احلامها

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في عالم تتشابك فيه الأرواح مع الأرض والسماء ، حيث يختلط صمت الليل بهمس الرياح يولد السلام كنسمة خفية تأتي على حين غفلة ، لتعيد ترتيب كل شيء من حولنا ، إنها الحظة التي يهدأ فيها الصخب ، وتتنفس بها الطبيعة بعد طول كبت ، لحظة يصبح فيها الهواء أثقل بالفرح وتعود الأرض لتبتسم بعد صراع طويل مع ثقل البشر وهمومهم ، ليكون السلام هنا ليس مجرد غياب للحروب ، بل هو موسيقى الكون السرية ، همس الأرواح ، ارتجاف النجوم ، ومطر يلامس الجبال والأنهار ، وفي هذه اللحظة نكتشف أن كل شيء يتغير بدأ من المناخ ، الناس ، المشاعر ، وحتى الوقت نفسه يبدو وكأنه يتوقف ليستمع إلى تنفس الأرض العميق
ومن هذه اللحظة تنبعث الرغبة في التأمل ، في السير الطويل ، في فهم معنى كل ذلك التغير ، في كيف يتحول العالم حين يستيقظ على صوت السلام وكيف يعيد الإنسان ترتيب قلبه وروحه لتتناغم مع الطبيعة ، لتصبح الحياة أكثر وضوحا ، وأكثر عمقا ، وأكثر صدقا مع ذاتها ، فما إن يحل السلام على وطن حتى تتغير المجرات من حوله ، كأن الكون بأسره يلتقط أنفاسه مع هذا الهدوء الجديد ، في تلك اللحظة فقط ترتفع أرواح الناس إلى الأعلى حبا وفرحا ، فتستجيب السماء لنداء قلوبهم ، وتمطر الغيوم كأنها دموع فرح ، وتظل الأرض تفوح منها نسائم لم تعهدها منذ زمن طويل ، نسائم اعتادت أن تختنق تحت وطأة الضغوطات الكبرى والأعباء الثقيلة التي أثقلت كاهل الوطن
وكأن السلام ، هذا الزائر الغامض القادم من بعيد قد ألقى بجذوره إلى كل شارع ، وكل زاوية ، وكل نافذة ، لتطل النوافذ بأبخرتها العطرية ويزهر العبير في القلوب فتختفي الفواصل بين الجبال والبحار ، وكأن الطبيعة نفسها في غفلة من الزمن استسلمت لموسيقى السلام ، فصارت كل أشجارها وكل أنهارها وكل نسيم يمر بين أزقتها جزءا من تلك الروح القادمة ، التي لم تترك حجرا أو ورقة إلا وأيقظت فيه الحياة ، لندرك هنا حقيقة عميقة لا يمكن تصفيتها أو غربلتها الا وهي : أن الأرض حين تتصارع بها أو عليها القوى المتنازعة ، تعكس صراعها في كل خلية من خلايا الطبيعة ، فتثور الأعاصير ، وتندلع الحرائق ، وتفيض المياه بلا حساب ، وكأن الطبيعة ذاتها تشكو وتحذرنا بأن غضبها لن يظل مكتوما بلا حدود ، لكن البشر في انقسامهم الأبدي يمرون غالبا بلا وعي ، فهناك من لا يبالون بما يحدث ، ومنهم من يتساءل في حيرة : ما الذي يحدث ؟ ولماذا يتغير كل شيء فجأة ؟
وفي خضم هذا الصخب والاضطراب تبرز الأرواح القليلة المشبعة بروحانيات الحياة التي تعرف حتى من صمتها ما يحدث وما أسبابه ، هي لا تبحث عن إجابات في الفوضى بل تكتفي بمراقبة السماء وتنتظر لحظة الهبوط الآمن للسلام على الأرض ، لحظة تصبح فيها الطبيعة صافية من غضبها ، وتستعيد الأرض مناخها الحقيقي ، المناخ الذي يحتضن كل فصل كما يجب والذي يتيح للحياة أن تتدفق بحرية من جديد ، بلا قيود ، بلا ضغوط ، فحين يصل السلام لن يكون مجرد غياب للصراعات أو توقف للحروب ، بل هو تصدع كوني في السماء ، ارتجاف في الجبال ، وتنفس جديد في البحار والأنهار ، من نسيم يهمس في الآفاق ويحكي قصة الإنسانية بأبهى صورها ، عندها فقط يدرك الإنسان أن كل شيء حوله قد تغير ، وأن كل شبر على هذه الأرض أصبح حيا بروحٍ جديدة، بروح السلام، بروح تؤكد أن الحياة أعمق وأجمل مما كنا نتصور، وأن الطبيعة والإنسان جزءان لا يتجزآن من هذا الانسجام الكوني ، حيث يعيد السلام ترتيب كل شيء من الهواء إلى المياه ، ومن التربة إلى القلوب
وهكذا ، يظل السلام كظل طويل من المستقبل ، ينتظر أن يحل ليعيد الأرض إلى رونقها ويعيد الفصول إلى موعدها الطبيعي ويعيد للإنسان لنفسه القدرة على التقدير ، على الحب ، وعلى الانصهار مع عالمه ، عالم الأرض والسماء والنسيم في انتظار تلك اللحظة ، لتبقى الأرواح صامتة لكنها متيقظة ، التي تعرف أن الفرح الحقيقي لن يأتي إلا حين يتنفس العالم بأسره نسيم السلام ، وحين يهمس في كل قلب : ها أنا ذا ، قد أتيت لأعيد الحياة .
