بين “مجهول الهوية” و”حضن العائلة”.. كيف أنقذت “نقرة زر” شاباً من الدفن في مقابر الصدقة بأسوان؟

كتب / ياسر الدشناوي
في لحظاتٍ فارقة، تحبس الأنفاس وتتصارع فيها الأقدار، تجسدت أسمى معاني الإنسانية فوق تراب صعيد مصر، وتحديداً في مركز إدفو بمحافظة أسوان. قصة الشاب “علي محمد فاضل”، الذي كاد أن يوارى الثرى غريباً وحيداً في مقابر الصدقة، تحولت بفضل “قوة الترابط الرقمي” إلى ملحمة وفاء، أعادت غائباً إلى أحضان عائلته في اللحظات الأخيرة قبل إغلاق باب القبر.
سباق مع الزمن.. ٤٨ ساعة تفصل بين “الستر” و”المجهول”

بدأت المأساة بوجود جثمان شاب مجهول الهوية داخل مشرحة إدفو العمومية لعدة أيام. ومع استنفاد كافة المحاولات الرسمية من بصمات وتحريات للوصول إلى ذويه، صدر القرار الصعب: دفن الجثمان يوم الاثنين الموافق ٢٣ مارس ٢٠٢٦، في تمام الساعة الرابعة عصراً بمدافن إدفو. كان المشهد ينذر بوجع لا ينتهي؛ شاب في مقتبل العمر يُدفن بعيداً عن أهله الذين ربما يبحثون عنه في كل مستشفى ومركز شرطة، لتنقطع أخبارهم عنه إلى الأبد.
سحر “التواصل الاجتماعي”.. حين يتحول الفضاء الأزرق لغرفة عمليات إنسانية
بمجرد نشر تفاصيل الحالة وموعد الدفن المقرر، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي في أسوان والمحافظات المجاورة. لم تكن مجرد “مشاركات” عابرة، بل كانت صرخات استغاثة وصلت إلى كل بيت في “دراو” وبالتحديد منطقة “شطب”. وهنا ظهر الأثر السحري للتفاعل المجتمعي؛ حيث تعرف جيران وعمات وخوال الشاب على صورته المنشورة، لتبدأ رحلة التأكيد التي لم تستغرق سوى ساعات قليلة، قُطعت فيها الشكوك باليقين: “هذا هو علي محمد فاضل، المتغيب منذ شهر ديسمبر الماضي”.
أبطال خلف الستار.. “الأبنودي” و”أبو عمر” نماذج للخير
لا يمكن سرد هذه الملحمة دون الإشارة إلى الدور المحوري لرجال الخير الذين نذروا أنفسهم لستر الموتى. فقد كان للأستاذ حمدي الأبنودي، الملقب برجل الخير الأول، دورٌ جسور في رعاية الجثمان ومتابعة إجراءات الدفن للمجهولين من المصريين والسودانيين على حد سواء. وبالتنسيق مع الأستاذ مختار أبو عمر، الذي كان حلقة الوصل مع أسرة الشاب، تم إيقاف إجراءات الدفن في اللحظات الأخيرة، ليتغير مسار الجنازة من “مقابر الصدقة” إلى “مقابر العائلة” في مسقط رأسه بدراو.
من مشرحة إدفو إلى تراب “شطب”.. رحلة العودة الأخيرة
بمشاعر تختلط فيها حرقة الموت براحة الستر، توجه والد الشاب وأعمامه وأخواله على وجه السرعة صوب مشرحة مستشفى إدفو العام لاستلام الجثمان. هذه الواقعة لم تكن مجرد خبر صحفي، بل كانت درساً في أهمية التكافل المجتمعي، وكيف يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون طوق نجاة يحمي كرامة الإنسان حتى بعد رحيله، ويطفئ نار الحيرة في قلوب الآباء والأمهات.
شاركنا برأيك:
بعد هذه الواقعة المؤثرة.. كيف ترى دور الصفحات والمجموعات المحلية على فيسبوك في حل القضايا الإنسانية المعقدة؟ وهل تعتقد أن “قوة النشر” أصبحت أسرع من الوسائل التقليدية في الوصول للحقائق؟