عقل الغطرسة ” ميلر ” وخرائط القوة الأمريكية

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في عالم تمحى فيه الثوابت وتعاد كتابة القوانين حسب مزاج القوة ، تبدو السياسة أشبه ببحر هائج ، لا تستقر فيه سفينة إلا بالقبضة الحديدية والظل الكثيف للأفراد الذين يشكلون نبض القرار ، هناك حيث تتقاطع المصلحة مع النفوذ والهوية مع الخوف ، يولد ما يسمى ” بالدستور غير المكتوب ” دستور يتحرك مع كل نسمة مصالح ويعيد رسم حدود السلطة والإنسانية في هذا العالم ، حيث لا تكفي العناوين الرسمية لتفسير القرارات بل يجب النظر إلى خلف الستار ، إلى العقول التي تزرع المخاطر وتشكل العالم على مقاسها ، حيث يصبح الفرد ليس مجرد موظف بل رمزا لقوة أو لعجز ، لهيمنة أو لانحدار
فليست الولايات المتحدة كما تقدم نفسها كدولة يحرسها دستور ثابت بقدر ما هي كيان يسير على نص متحول ، يعاد تنقيحه كلما تغير اتجاه الريح ، دستور لا يكتب بالحبر بل بالمصلحة ، ولا تراجع مواده في المحاكم بل في غرف النفوذ المغلقة ، حيث تقاس القيم بمدى نفعها وتستبدل المبادئ حين تصبح عبئا على الامتداد ، ففي هذا الفضاء الرمادي لا يختار الرجال ليكونوا حماة فكرة بل ليكونوا أدواتها الحادة ، ويستدعون لا بما يحملونه من حكمة الدولة بل بما يملكونه من قسوة الرؤية وضيق الأفق ، لأن الإمبراطوريات في مراحل أفولها تميل إلى الأصوات الحادة أكثر من العقول المتزنة ، ومن بين هذه الأصوات يطفو اسم ” ستيفن ميلر ” لا كموظف في مؤسسة الحكم بل كظل طويل يتسلل بين القرارات ويترك أثره دون أن يراه الجميع
ان ميلر ليس وجها عابرا في بهو السياسة الأمريكية بل هو من أولئك الذين لا يقفون أمام الضوء بل خلفه ، ويحركون اتجاهه وحدته ، فهو صانع لغة ومهندس خوف ، وراسم حدود وهمية بين ” نحن ” المختارين و “هم ” الزائدين عن الحاجة ، ففي سياسات الهجرة لم يكن مجرد مستشار بل كان ضميرا قاسيا يملي على الدولة كيف تغلق أبوابها وكيف تقسم البشر إلى درجات قبول ورفض ، وكأن الجغرافيا شهادة أخلاق وكأن الولادة ذنب ، ومع كل قرار له كانت تتسع الدائرة من الحدود إلى القارات ، من ملف الهجرة إلى خرائط النفوذ ، ففنزويلا لم تكن سوى تمرين على الحصار ، وجرينلاند لم تكن سوى فكرة قيلت بصوت عال دون خجل ، فكرة ترى الأرض سلعة والسيادة اقتراحا قابلا للتفاوض
فلم تكن تلك التصريحات زلات سياسية بل شذرات من عقل يرى العالم امتدادا طبيعيا لرغبة القوة ، غير أن السلطة لا تخلق هذه النزعات من العدم ، إنها فقط تضخم ما كان كامنا ، فملامح ” ميلر ” قبل أن تصقلها دهاليز الحكم كانت تحمل ذات الصدام ، ذات العناد ، وذات الإيمان بأن التفوق حق لا يناقش ، وحين التقت هذه النفسية بشخصية ترامب ، لم يكن ذلك تحالفا سياسيا بقدر ما كان تماهيا نفسيا مرآتان تعكسان بعضهما وتضاعفان الإحساس بالاستفزاز والهيمنة
وحين تدار الدول بهذا المزاج لا تبنى سياسات بل تطلق غرائز ، ولا يصاغ حكم رشيد بل تنتج قرارات متسرعة تغلف بالشعارات وتصدر أزماتها إلى الخارج فالداخل يتآكل بصمت والخارج يدفع الثمن علنا ، فكل خطوة غير محسوبة في واشنطن ترتد اضطرابا في عاصمة أخرى ، وكل خطاب شعبوي يتحول إلى شرخ في نظام دولي هش أصلا
لهذا فإن قراءة المشهد السياسي لا تكتمل عند حدود الحدث ، بل تبدأ من تفكيك العقول التي تديره ، فالمعارك الكبرى لا تفهم من ساحاتها فقط بل من غرف التخطيط ومن البنية النفسية لمن يضغط الزناد وهو يظن أنه يصنع تاريخا
وميلر هنا ليس استثناء بل “علامة ” ، علامة على مرحلة تميل فيها الولايات المتحدة إلى الأصوات التي تشبه صدى الخوف أكثر من صوت الحكمة ، وأياد كثيرة تربت على كتفه وتشاركه ذات النبرة ، ذات الضيق ، ذات الإيمان بأن العالم يجب أن ينصاع أو يكسر ، غير أن التاريخ لا يرحم هذه اللحظات ، فالدول التي تدار بعقلية الغطرسة لا تسقط دفعة واحدة بل تتآكل من الداخل ، حتى تجد نفسها وحيدة مثقلة بقراراتها ومحاصرة بآثارها ، وعندها فقط تدرك أن إقصاء العقل لصالح النزوة لم يكن قوة بل بداية الانحدار .



