” باريس ولبنان ، بين الضوء والظل “

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في عالم تتسارع فيه اللحظات كما تتسارع الرياح على قمم الجبال ، يبدو لبنان اليوم كلوحة مرسومة على حافة الزمن ، لوحة تتخللها ألوان السياسة والإقليم والدبلوماسية حيث يتشابك الماضي بالحاضر وتتموج الأحلام بالحقائق ويصبح كل شبر من الأرض شاهدا على قصة أطول من عمر اللحظة ، وهنا ياتي التحضير للقاء سياسي عميق ، ليس كمجرد مؤتمر يحضر أو دعم يقدم بل لحظة تتسرب فيها الرسائل بين السطور ، لحظة تعيد رسم خطوط القوة على خريطة الشرق وتعيد تعريف دور الدولة بين الانكسار والصمود ، بين الأمل والخطر ، بين ما يعلن وما يخبأ في دهاليز النفوذ
فهناك حيث تتقاطع الرياح الدولية وتتسابق الأمواج السياسية ، يسير لبنان نحو عتبة مؤتمر دولي في العاصمة الفرنسية ” باريس ” في الخامس من مارس 2026 م ، مؤتمر يشبه حلبة دقيقة لتوازن القوى حيث تتلاقى النظرات وتتقاطع المصالح ، ويكون كل حضوره بيانا صامتا يحمل أكثر مما يقال
بممثلون من قوى كبرى ودول عربية ، من السعودية وقطر ومصر في الشرق ، إلى الولايات المتحدة الأمريكية في الغرب ، التي تراقب كل تحرك بعين لا تغفل عن أي تفصيلة ، وسيشاركون في هذا المشهد كأنهم رقع على لوحة شطرنج عملاقة ، كل قطعة تتحرك بحذر ووزن ، وكل خطوة تقيس ثمنها قبل أن تتقدم
يبدو المشهد للوهلة الأولى محاولة لتأمين التمويل والعتاد للجيش اللبناني ، وتعزيز قدراته على بسط سلطة الدولة في كل شبر من الأرض وربط الدعم الدولي بمسار الإصلاحات السياسية والأمنية ، لكن خلف هذا الظل المعلن تختبئ أبعاد أكبر وأكثر عمقا ، حيث يحمل الدعم رغبة غير معلنة في تحويل الجيش إلى الضامن الوحيد للأمن ، لمواجهة قوى مشتتة ، غير نظامية ، تتناثر على الأرض كنجوم مبعثرة في سماء مضطربة ، وتخدم مصالح خارجية وتزيد تعقيد المشهد الداخلي والإقليمي ، فالمجتمع الدولي اليوم يراقب لبنان بخوف من انهيار الوضع الأمني ومن انقسام أجهزة الدولة نفسها ، كأنها مرآة تتصدع أمام ضغط المصالح المتشابكة فتتفتت كل رؤية ويضيع معها الأمل ، فيصبح الثقل على لبنان ثقلا مزدوجا ، ثقلا داخليا من الانقسامات ، وثقلا خارجيا من المراقبة والمصالح المتضاربة
إذن ان المؤتمر في باريس ليس مجرد لقاء سياسي ، بل أداة دقيقة للضغط الدبلوماسي برسالة خفية ترسل إلى ” حزب الله ” وكل القوى الخارجة عن الدولة بأن : الدعم محصور بالمؤسسات الشرعية ، وأن أي قوة خارج هذا الإطار لن تكون جزءا من المستقبل ، ولن تكون جزءا من الأفق الذي يصاغ اليوم على ضفاف النور الأوروبي ، واختيار باريس لهذا الحدث لم يكن صدفة ، فهي عاصمة النور التي شهدت ثورات وأحداثا شكلت تاريخ الحرية والمقاومة ، وهاهي اليوم تحتضن اليوم مشهدا دوليا حساسا ، فأن باريس بتاريخها الثوري وشرعيتها مع الجيش اللبناني توفر منصة أقل استفزازا من عواصم أخرى ، وأهدأ صدى للرسائل المشفرة وتسمح بتمرير شروط غير معلنة بهدوء ودقة ، كما لو كانت تقول إن القوة ليست في التصادم بل في القدرة على التوجيه والتحريك بلا صخب ، في القدرة على النفوذ الصامت الذي يحدث الفرق الأكبر
ففرنسا هنا ليست مجرد مكان ، بل لاعب دبلوماسي يوازن بين النفوذ والمصالح ، يخفف حدة التوتر ، ويتيح مساحة للسلام المشروط ، بينما تظل القوى الكبرى الأخرى تراقب وتنتظر كطيور على أغصان جاهزة للتحرك عند أول هبوب للريح ، فهذا المؤتمر ليس مجرد طلب دعم مالي أو عسكري ، بل إعادة هندسة تدريجية لميزان القوى ورسم خطوط النفوذ الى جانب تأمين استقرار لبنان والمنطقة ، بعيدا عن الصدام المباشر والحفاظ على مصالح الأطراف الإقليمية والدولية المتشابكة ، إنه مشهد يظهر لبنان كما لو كان قلب المنطقة ينبض في أفق مشوش ، يرسل إشاراته للشرق والغرب ويطلب التوازن بين القوة والشرعية ، بين النفوذ والسيادة
ان باريس التي ثارت يوما ضد الظلم تصبح اليوم الحاضنة لمشهد دولي دقيق ، لتثبت أن من عرف الحرية يوما لن يكون على هامش العالم أبدا ، وستظل لحظة انعقاد هذا المؤتمر مشهدا حيا لضوء وظل النفوذ ، وقوة وضعف السياسة والدبلوماسية المتشابكة في قلب لبنان في آن واحد ، ليصبح لبنان في هذا المشهد ليس مجرد بلد ، بل تجربة حية في الصمود وفي محاولة لرسم طريق بين الأزمات والمصالح ، بين الخطر والأمل ، بين اللحظة الراهنة والتاريخ القادم .



