اخلاقنا

” حين يصبح الصمت عبئا ، وعن استعادة الذات لصوتها “

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في المسافة التي لا يرى فيها الصمت ولا يسمع ، تتشكل أكثر الأسئلة حضورا
هناك حيث نتقن ارتداء الهدوء كما لو كان قدرا ، ونؤجل ارتباكنا الداخلي إلى إشعار آخر ، فتمضي ذواتنا محملة بما لم يقل ، وبما كان ينبغي قوله ولم يحدث فالصمت ليس دوما فراغا بل امتلاء خفي ، وليس دوما حكمة بل شكل مؤجل من التعب ، فنحن لا نعيش حياتنا كما نتصورها بل كما نحتملها ، ونعيد تشكيل ذواتنا مرارا وتكرارا وفق قدرة الروح على الصمود لا وفق رغباتها الأولى ،
فالصمت الذي نلوذ به ليس دائما انسحابا من العالم بل محاولة لإعادة ترتيب الداخل ، فحين يصبح الخارج أثقل من أن يحتمل نصمت لأن اللغة عندها تخذلنا ، ولأن بعض التجارب لا تقبل التسمية ، ولأن الوعي حين يتخم بالأحداث يحتاج إلى فراغ مؤقت ليعيد تعريف نفسه ، فنجد انفسنا نغذي هذا الصمت بالتجاهل المتعمد ، لا كفعل إنكار بل كاستراتيجية وجودية للبقاء ، فليس كل ما يرى يجابه ، وليس كل ما يؤلم يقاوم فورا ، بل أحيانا يكون التريث شكلا آخر من أشكال الحكمة ، وأحيانا اخرى يكون تأجيلا واعيا للانكسار ، لكن الصبر مهما بدا نبيلا يظل حالة زمنية مؤقتة له حد أقصى
وبعده يتحول إلى عبء أخلاقي على الذات ، إذ يطالبها بالتحمل على حساب صدقها مع نفسها

وحينها عندما نبلغ ذلك الحد لا نثور عبثا ، فالانتفاضة هنا لا تغدو انفجارا انفعاليا بل لحظة وعي حاد ، تشبه استيقاظا متأخرا للذات من سباتها الطويل ، بل تكون انشقاق داخلي بين ما كناه وما لم نعد قادرين على احتماله ، و من تلك اللحظة يتبدد الخوف من العواقب ، لأن السؤال حينها لا يعود : ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ، بل يصبح :  كيف أمكننا البقاء كل هذا الوقت دون أنهيار ؟
لنكتشف أن السكينة التي بحثنا عنها خارجنا كانت مؤجلة في الداخل ، ومحاصرة بين طبقات من الصمت القسري والصبر المختار ، سكينة لم تفقد بل علقت مؤقتا لانتظار لحظة نضج وجودي تسمح لنا باستعادتها دون أوهام ،
فالسكينة في معناها العميق ليست غياب الاضطراب بل القدرة على التعايش معها دون أن نفقد جوهرنا ، فنحن نمر في الحياة بمحطات لا نختارها ،
لأن الحرية كما نكتشف متأخرين ليست في اختيار الظروف بل في تأويلها ،
ولاننا كائنات ملقاة في هذا العالم ومحملة بأسئلة أكثر من الإجابات ، ومطالبة بالعبور رغم الغموض ، ومع كل محطة مفروضة يتآكل تعريف قديم للذات ، ويعاد بناؤه على أسس أكثر هشاشة لكنها أكثر صدقا ، فالهشاشة هنا ليست ضعفا بل اعترافا إنسانيا بحدودنا ، ومن هنا يتسلل إلى وعينا سؤال الزمن : ماذا يعني أن تثبت أعمارنا على هذه الأرض؟ أهو الثبات في الشكل ، أم في المعنى؟ ، لندرك بذلك أن البقاء ليس كافيا ، وأن الامتداد الزمني بلا اتساق داخلي ليس حياة بل تكرار منهك للأيام ، لذلك نتمسك بتلك الأسس الأولى التي تربينا عليها ، لا بوصفها قيودا أخلاقية جامدة بل كبوصلة وجودية
تعيدنا إلى أنفسنا كلما فقدنا الاتجاه

ومن هناك حيث المسافة الفاصلة بين الصمت والانتفاضة ، تتشكل هويتنا الحقيقية ، ونتعلم أن الاتزان ليس حالة دائمة بل تفاوض مستمر مع الذات وأن الحرية ليست في أن نقول كل شيء ، ولا في أن نصمت عن كل شيء بل في أن نعرف متى يصبح الصمت خيانة للذات ومتى تصبح المواجهة ضرورة أخلاقية ، وهكذا نمضي في هذا الوجود ، لا بحثا عن يقين كامل بل عن معنى قابل للعيش ، نعيد به تعريف أنفسنا مع كل عبور ، ونفهم أخيرا أن السلام الداخلي ليس نهاية الرحلة بل شكل من أشكال الشجاعة ، شجاعة أن نكون كما نحن دون أقنعة ودون صمت يتجاوز حده المشروع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى