” شهر على صفيح ساخن ” يناير تحت وطأة المناخ

كتبت / دعاء هزاع الجابري
لم يعد المناخ مجرد خلفية صامتة لحياة الإنسان ، بل تحول إلى بطل قلق في حكاية العالم ، فالأرض التي كانت تعرف إيقاع الفصول وتوازنها باتت اليوم تنبض بحرارة متسارعة وتفصح عن اضطرابها عبر عواصف عاتية وموجات حر خانقة وفيضانات لا تعرف الرحمة ، وبين عام يسجل كالأشد حرارة في التاريخ وآخر يبدأ على وقع اختلالات جوية غير مألوفة ، يقف الإنسان شاهدا على تحول مناخي لم يعد احتمالا نظريا بل واقعا يفرض حضوره في تفاصيل الحياة اليومية ، ويعيد طرح سؤال مصيري : إلى أين تمضي الأرض ؟ ومن يقود هذا المسار ؟
ففي سجل الزمن المناخي ، يبرز عام 2025 م ، كأحد أكثر الأعوام سخونة في تاريخ الكوكب ، حيث واصلت درجات الحرارة صعودها العنيد متجاوزة عتبة ما قبل الثورة الصناعية ، وكأن الأرض تسير في درب لم تعد تعرف فيه البرودة ملاذا ، ومع مطلع عام 2026 م ، لم يهدأ هذا اللهيب بل تمدد في هيئة موجات حر خانقة واضطرابات جوية كسرت إيقاع الفصول ونسفت توازن الطقس في بقاع واسعة من العالم ، ففي الغرب حيث أوروبا وأمريكا بدا المشهد كلوحة متناقضة الألوان تجمع بين العواصف والقيظ ، بين الصقيع والنار ، فهبت في أوروبا عاصفة ” غوريتي ” كضيف ثقيل الظل تجتاح شمال القارة وغربها مطلع يناير ، حاملة.رياحا تعوي كذئاب شتوية وأمطارا لا تعرف التوقف ، وثلوجا ألبست المدن عباءة بيضاء ثقيلة ، حتى تعطلت الطرق وارتبكت حركة القطارات والطائرات وانطفأت الأنوار في بعض المناطق ، حتى باريس مدينة الضوء بدت للحظات أسيرة برد لم تألفه
وعبر الأطلسي هناك ، انشقت دوامة قطبية عن مسارها ككوكب ضل مداره ، فأرسلت بردا لاذعا إلى شمال أمريكا وأجزاء من أوروبا في مشهد نادر يعكس اضطراب السماء في طبقاتها العليا ، وفي مفارقة تفضح اختلال الميزان المناخي كانت مناطق أخرى تعاني في الوقت ذاته من جفاف قاس وموجات حر تحرق اليابس وتنهك البشر
اما في أقصى الجنوب ، وقفت أستراليا تحت شمس لا ترحم ، حيث تجاوزت الحرارة الأربعين درجة مئوية في الجنوب والشرق ، وكأن الأرض هناك تتنفس نارا ، مهددة باندلاع حرائق الغابات التي طالما تركت ندوبها في ذاكرة البلاد وبيئتها ، أما غرب آسيا وشمال إفريقيا ، فقد عرفا شتاء غريب الملامح ، دفئا في غير أوانه وجفافا يسرق من الأرض رطوبتها ، في إشارة صامتة إلى أن المناخ لم يعد يخضع لقوانين الأمس ، بل يكتب فصلا جديدا من التقلب وعدم اليقين ، ووصولا الى الشرق ، فقد اشتدت ملامح الشتاء على نحو عنيف في اليابان ولا سيما ” سابورو ” فتساقطت الثلوج بغزارة حتى أثقلت الطرق وشلت الحركة وأربكت البنية التحتية ، وفي لبنان وبيرو لم تأت السماء بالمطر رحمة ، بل اندفاعا جارفا ، حيت الفيضانات غمرت شمال لبنان ، وأخرى اجتاحت مدنا في بيرو مثل ” تارابوتو ” ، بعدما هطلت أمطار غزيرة في زمن قصير ، وكأن الغيم أفرغ ما في جعبته دفعة واحدة
ولم تقف تداعيات هذا التحول المناخي عند حدود الطبيعة وحدها ، بل تسللت إلى صدور البشر وأنفاسهم ، ففي مدن مكتظة مثل دكا في بنغلاديش ، بلغ تلوث الهواء مستويات خانقة نتيجة تزاوج قاس بين اختلال الطقس ونشاط بشري لا يهدأ ، وعلى رغم بشائر التعافي التي شهدتها طبقة الأوزون في الفترة الأخيرة ، الا ان الاحتباس الحراري ما زال يمضي في مساره ، يوقظ العواصف ويضاعف الفيضانات ويطيل أمد موجات الحر ، وهكذا ، لم يعد التغير المناخي حكاية مؤجلة أو تحذيرا بعيدا بل صار واقعا يوميا يطرق أبواب المجتمعات ، ويثقل كاهل الاقتصادات ، ويهدد صحة الإنسان وسلامته ، وذلك ما تؤكده تقارير منظمات المناخ العالمية التي ترى في ما نشهده اليوم ملامح بداية لعصر جديد تعاد فيه كتابة العلاقة بين الإنسان وكوكبه ، إما بحكمة تنقذ ، أو بإهمال يدفع الثمن .