” الإكراه الاقتصادي ونهاية اليقين الأطلسي “

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في حاضرنا اليوم لم تعد العلاقات عبر الأطلسي كما كانت تسوق لعقود بوصفها تحالفا ثابتا تحكمه القيم المشتركة والمصالح المتبادلة ، بل باتت اليوم ساحة اختبار مفتوحة لصراع الإرادات والنفوذ الاقتصادي ، فمع عودة ارئيس الامريكي ” دونالد ترامب ” إلى واجهة القرار الأمريكي ، عاد منطق الضغط والإكراه ليحكم التعاطي مع الحلفاء قبل الخصوم ، واضعا أوروبا أمام معادلة جديدة وهي : إما الرضوخ لشروط القوة الأمريكية ، أو الانتقال من سياسة التريث الدبلوماسي إلى تبني أدوات الردع والدفاع عن السيادة الاقتصادية ،
وفي هذا المناخ المشحون ، تتسارع القرارات الأوروبية على نحو غير مسبوق ، لتبرز ” باريس ” بوصفها رأس الحربة في الدعوة إلى كسر دائرة الصمت عبر التلويح باستخدام آلية ” مكافحة الإكراه الاقتصادي ” لمواجهة التهديدات الجمركية الأمريكية ، وهي خطوة تعكس تحولا عميقا في العقل السياسي الأوروبي الذي لم يعد يرى في الشراكة مع واشنطن ضمانة تلقائية ، بل علاقة قابلة لإعادة الضبط وفق ميزان المصالح لا منطق التبعية
حيث لم يعد المشهد السياسي الأوروبي يسير على إيقاعه التقليدي الهادئ ، بل دخل مرحلة متسارعة من إعادة التموضع واتخاذ القرارات على وقع التحركات الأمريكية الأخيرة التي يقودها دونالد ترامب ، والتي تستهدف الضغط الاقتصادي المباشر على دول الاتحاد الأوروبي عبر التلويح بفرض رسوم جمركية إضافية على الواردات الأوروبية ، ان هذا التصعيد الأمريكي قد نقل العلاقة عبر الأطلسي من خانة الشراكة المتوترة إلى عتبة المواجهة الاقتصادية المفتوحة ، ومن هنا برز الموقف الفرنسي بوصفه الأكثر حدة ووضوحا ، إذ دعا الرئيس الفرنسي ” إيمانويل ماكرون ” الاتحاد الأوروبي إلى تفعيل آلية مكافحة الإكراه الاقتصادي في حال مضت واشنطن قدما في تنفيذ تهديداتها ، وهي دعوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن إدراك باريس بأن سياسة ترامب لم تعد تقتصر على إعادة التوازن التجاري ، بل باتت أداة ضغط سياسي تهدف إلى لي ذراع أوروبا وانتزاع تنازلات استراتيجية في ملفات تتجاوز الاقتصاد ، وصولا إلى قضايا جيوسياسية حساسة مثل ” غرينلاند ” وموازين النفوذ في القطب الشمالي ، فتعد آلية مكافحة الإكراه الاقتصادي التي أقرها الاتحاد الأوروبي عام 2023 م ، من أكثر الأدوات التجارية صرامة في ترسانة ” بروكسل ” على رغم أنها لم تفعل حتى الآن ، وقد صممت هذه الأداة لحماية الاتحاد ودوله الأعضاء من التهديدات والضغوط الاقتصادية التي تمارسها أطراف خارجية بقصد التأثير على قرارات سيادية ، وتقوم هذه الآلية على منطق مزدوج وهو ” إعطاء أولوية للتفاوض والحلول الدبلوماسية ، مع الإبقاء على خيار الإجراءات المضادة في حال فشل المساعي السياسية ”
وعلى رغم أن هذه الآلية تمر بمراحل قانونية وإجرائية دقيقة ، فإن مجرد طرحها العلني من قبل ماكرون يحمل دلالة سياسية عميقة وهي : ان أوروبا لم تعد مستعدة للاكتفاء بردود الفعل أو انتظار تبدل المزاج في واشنطن ، بل بدأت تفكر في استخدام أدوات الردع الاقتصادي للدفاع عن استقلال قرارها ، فإن تسارع القرارات الأمريكية ، واتساع نطاق السياسات الحمائية التي تنتهجها إدارة ترامب ، يكشفان عن أزمة أعمق في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية نفسها حيث ان سياسة الضغط الشامل التي تمارس بلا تمييز على الحلفاء والخصوم على حد سواء ، لا تنتج نفوذا مستداما بقدر ما تراكم العزلة وتضعف الثقة في القيادة الأمريكية ، وإذا استمرت واشنطن في هذا المسار التصادمي ، فإن الفشل السياسي لن يكون نتيجة جانبية ، ولن يكون الخروج من هذا المأزق ممكنا إلا عبر مراجعة جذرية للنهج المتبع ، تبدأ بإعادة الاعتبار للتحالفات التقليدية ، ولا تنتهي إلا بتغيير مركز القرار الذي يدير هذه السياسات بعقلية الإكراه لا الشراكة
ففي امتداد هذا المشهد الأوروبي المتحول ، لا يمكن عزل تداعيات المواجهة الاقتصادية عبر الأطلسي عن السياقين العربي والدولي الأوسع ، فالسياسات الأمريكية القائمة على الإكراه الاقتصادي لم تكن يوما حكرا على أوروبا ، بل طالت ولا تزال تطال دولا عربية وآسيوية وإفريقية ، استخدمت فيها الرسوم والعقوبات والضغوط التجارية كبدائل عن الدبلوماسية المتوازنة ، وما يجري اليوم بين ” واشنطن وبروكسل ” يفتح نافذة إدراك جديدة أمام العالم مفادها أن الحصانة السياسية لا وجود لها في ظل منطق القوة الاقتصادية ، فبالنسبة للدول العربية ، فإن التحرك الأوروبي يمثل اختبارا مهما لإمكانية بناء توازن دولي أقل خضوعا للابتزاز وأكثر احتراما للسيادة الاقتصادية ، فإذا نجح الاتحاد الأوروبي في تفعيل أدواته الدفاعية وفرض معادلة ردع متكافئة ، فإن ذلك قد يشجع قوى إقليمية أخرى على البحث عن أطر تعاون بديلة ، وشراكات متعددة الأقطاب تقلل من الارتهان لسياسات الضغط الأمريكية ، أما دوليا فإن هذا التصعيد ينذر بإعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية ، وربما تسريع الانتقال من نظام تقوده قوة واحدة إلى نظام تتقاسم فيه مراكز النفوذ أدوارا متداخلة
إن لحظة المواجهة الأوروبية مع واشنطن لا تختصر في نزاع جمركي عابر ، بل تمثل مفترق طرق في بنية النظام الدولي نفسه ، فإما أن يستمر العالم في الخضوع لمنطق الإكراه والهيمنة ، أو أن تتقدم القوى المتضررة ، وفي مقدمتها أوروبا لبلورة نموذج جديد يقوم على التوازن ، والندية ، واحترام المصالح المشتركة وفي هذا التحول ستكون المنطقة العربية إحدى الساحات الأكثر تأثرا بالنتائج ، سلبا أو إيجابا ، تبعا لمسار هذه المواجهة وحدودها .