البيئة.. الأم الكبرى ومسؤولية الإنسان في عمارة الأرض

تحرير مصر مباشر
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى، نحمده سبحانه على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، أرسله رحمة للعالمين، فكان قدوة في الرفق بكل المخلوقات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
البيئة هي الرحم الثاني للإنسان، والأم الكبرى التي تحتضن الحياة بكل تفاصيلها. إنها كتاب الله المنظور الذي تتجلى فيه عظمة الخالق وإبداعه، والحفاظ عليها ليس مجرد شعارات أو فعاليات مؤقتة، بل هو واجب ديني وإنساني نعبّر به عن شكرنا لله على نعمه، ونجعل منه عبادة نتقرب بها إليه.
رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّم نموذجًا فريدًا في التعامل مع الكون من حوله، فجعل من حماية البيئة عملاً صالحًا وأجرًا مستمرًا. قال عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة». بهذا الحديث النبوي تتحول الزراعة إلى عبادة دائمة، فكل ثمرة تخرج، وكل ظل يمتد، وكل هواء نقي هو رصيد من الحسنات لا ينقطع.
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». هذا المبدأ النبوي العميق يرسخ معنى الأمل والعمل حتى في أحلك الظروف، ويؤكد أن الإصلاح في الأرض واجب لا يسقط أبداً.
ولم تتوقف رحمة النبي صلى الله عليه وسلم عند الإنسان، بل امتدت إلى الحيوان والطير، فنهى عن اتخاذها هدفاً للرمي أو وسيلة للتسلية، وحث على سقيها وإطعامها، وجعل في ذلك أجراً عظيماً. كما أمر بإزالة الأذى عن الطريق وجعلها صدقة، لتتحول النظافة العامة إلى عبادة وسلوك حضاري يعكس رقي المجتمع ونقاء النفس.
لقد سبق الإسلام كل التشريعات الحديثة في حماية البيئة، فأسس لمفهوم الاستدامة البيئية قبل أن يُعرف هذا المصطلح بقرون، فالمسلم الحقيقي هو من يدرك أنه خليفة في الأرض، مكلف بالإعمار لا بالإفساد، وبالإصلاح لا بالإهمال.
إن مسؤوليتنا تجاه البيئة تبدأ من أنفسنا، من منازلنا، وشوارعنا، وأماكن عملنا. كل فعل بسيط كزراعة شجرة، أو الحفاظ على نظافة المكان، أو ترشيد استخدام المياه، هو مساهمة حقيقية في حفظ الحياة على الأرض.
علينا أن نربي أبناءنا على حب الطبيعة وصونها، لأن كل ما حولنا يسبح بحمد الله، ولا يليق بنا أن نكون سببًا في إفساد هذا الجمال الإلهي.
فلنتحد جميعاً من أجل كوكب أنظف ومستقبل أكثر استدامة، ولنجعل من الحفاظ على البيئة أسلوب حياة وسلوكاً يومياً نمارسه بحب وإيمان، طاعةً لله الذي قال في كتابه الكريم:
“هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب”.