د. محمد فتحي يكتب: بين وعود «الذكاء الاصطناعي» وواقع «التحول الرقمي»
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي: فجوة التنفيذ قبل الثورة

كتب / محمد أشرف
شهد العالم خلال العقد الأخير موجة واسعة من الحديث عن التحول الرقمي، بوصفه المدخل الطبيعي لإعادة تشكيل الخدمات الحكومية والمصرفية، وتسريع الإجراءات، وتقليل التعقيدات البيروقراطية. واليوم، مع تصاعد الخطاب حول ثورة الذكاء الاصطناعي، يفرض الواقع سؤالًا جوهريًا: ماذا تحقق فعليًا من وعود التحول الرقمي
في القطاع المصرفي، جرى الترويج لسنوات لفكرة «الفروع الرقمية» باعتبارها بديلًا للفروع التقليدية، إلا أن الواقع يكشف أنها ما زالت في كثير من الأحيان قنوات مساندة محدودة الصلاحيات، وليست بديلًا كاملًا. ففتح حساب مصرفي جديد أو إتمام علاقة مصرفية متكاملة لا يزال، في معظم الحالات، يتطلب حضور العميل شخصيًا، رغم التطور الكبير في تقنيات التحقق الرقمي والتوقيع الإلكتروني. المشكلة هنا لا تكمن في غياب التكنولوجيا، بل في جاهزية الأطر التنظيمية وتكامل الأنظمة
ولا يختلف الوضع كثيرًا في الخدمات الحكومية؛ إذ ما يزال الحديث عن «الشهر العقاري الرقمي» أقرب إلى رؤية مستقبلية منه إلى واقع عملي شامل. إجراءات بسيطة نسبيًا، مثل استخراج قيد عائلي، لا تزال تتطلب مستندات ورقية متعددة والتنقل بين جهات مختلفة، رغم أن البيانات نفسها متوافرة لدى الدولة. فالتحول الحقيقي لا يعني نقل النماذج الورقية إلى شاشات إلكترونية، بل إعادة تصميم الإجراءات من الأساس
صحيح أن هناك تطورًا ملحوظًا في بعض الخدمات الرقمية، إلا أن هذا التطور يسير بوتيرة أبطأ بكثير من حجم التطلعات. وتؤكد التجارب العالمية أن إدخال التقنيات المتقدمة دون استعداد مؤسسي كامل قد يؤدي إلى تعقيد المشهد بدلًا من تبسيطه
وقبل الحديث عن ثورة الذكاء الاصطناعي، تبرز أولوية لا يمكن تجاوزها، تتمثل في بناء بنية تحتية رقمية قوية، وتحقيق تكامل فعلي بين قواعد البيانات، وتطبيق صارم لمبادئ الحوكمة، إلى جانب تشريعات واضحة تحمي البيانات والخصوصية. فمن دون هذه الأسس، يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة متقدمة تعمل فوق أرضية غير مستقرة
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يمكنه تعويض غياب الأساس. ولا يمكن بناء مستقبل رقمي مستدام فوق بنية غير مكتملة، أو الانتقال إلى أتمتة ذكية قبل استكمال ما كان يُفترض أن تحققه ثورة التحول الرقمي أولًا. فالثورة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لن تبدأ من الخوارزميات، بل من إصلاح الواقع الإداري والتشريعي والتنفيذي الذي يسبقها
اقرأ أيضًا:
نحو اقتصاد رقمي مستدام.. سيدات أعمال الجيزة يرسمّن خارطة طريق الذكاء الاصطناعي للمشروعات الصغيرة



