الدولةُ الغائبةُ… والغرباءُ الحاضرون خطرٌ أكبر من أن يُتجاهل

د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
في وطنٍ تُفتحُ حدوده كما تُفتحُ الأبوابُ المهجورة، ويتسلَّلُ الغرباءُ بلا حسيبٍ ولا رقيب، لم يعُد السؤالُ “مَن يدخلُ إلينا؟” بل أصبحَ “هل تبقّى للدولةِ وجودٌ لتسأل؟”
لقد تحوّل لبنان من دولةٍ ذات سيادةٍ وحدودٍ واضحة، إلى ساحةٍ رخوةٍ تتدفّقُ إليها الجنسيّاتُ من كلّ الجهات، بلا فحصٍ أمنيٍّ جاد، ولا قاعدة بياناتٍ دقيقة، ولا إرادةٍ سياسيةٍ تضبطُ هذا الانفلات الخطير.
نحن لا نتحدّثُ عن لاجئين هاربين من جحيم الحرب فقط، بل عن فوضى سكانيةٍ مفتوحةٍ تندسّ في صفوفها خلايا نائمة، ومصالح استخبارية، وأفرادٌ لا نعرفُ من أين جاؤوا ولا إلى أين يتّجهون.
إنّ أمنَ الناس وأولادهم ليس موضوعًا للمجاملة، ولا مادّةً للبيانات الصحفية، بل هو الركنُ الأولُ لقيام الدولة. فأيُّ حكومةٍ تفشلُ في حماية حدودها ومواطنيها، تفقدُ شرعيّتها الأخلاقية قبل السياسية.
من يضمنُ أنَّ هؤلاء ليسوا عناصرَ من جماعاتٍ إرهابيةٍ نائمة؟ ومن يراقبُ تحركاتهم وأماكنَ إقامتهم وأعمالهم؟ وكيف لدولةٍ تُعاني من ضعفٍ إداريٍّ مزمن أن تتجاهلَ وجودَ آلافٍ يعيشون خارج أيّ سجلٍّ رسميٍّ أو رقابةٍ أمنية؟ إنّ هذا الإهمال يشكّلُ ثغرةً خطيرة في الأمن الوطني، ويُعرّض اللبنانيين وأبناءهم لمخاطر لا تُقدَّر بثمن.
ليس المطلوبُ التحريضَ على أحد، بل حمايةُ الجميع. الحمايةُ لا تعني فقط ضبطَ الحدود، بل أيضاً منعَ توظيف أيّ شخصٍ لا يملك أوراقاً قانونية أو إقامةً رسمية، لأنّ في ذلك تشجيعاً ضمنياً على التسلّل وتثبيتاً لواقعٍ غير شرعي. ولهذا، يجب إنزال أشدّ العقوبات بكلّ من يوظّف أو يُخفي أو يُسهّل إقامةَ غيرِ الشرعيّين وإلغاء ترخيصه ان كان يملكها ، لأنّ مثل هؤلاء يشاركون في تقويض سلطة الدولة، ويضعون الوطن في مهبّ الخطر.
لقد تعبَ اللبنانيّ من بيانات الشجب والاستنكار، ومن تبريراتٍ تتذرّع بالظروف الإنسانية لتبرير الانهيار الأمني.
الإنسانُ لا يُحمى بالشعارات، بل بالقانونِ الرادع، وبالمؤسّسات القادرة، وبحدودٍ تُراقَبُ لا تُستباح.
وفي الوقت ذاته، لا يجوز أن يتحوّل الخوفُ من الخطر إلى عذرٍ للتنمّر أو الكراهية أو العقاب الجماعي.
إنّنا نُفرّقُ بوضوحٍ بين اللاجئ الذي يبحثُ عن الأمان، وبين المتسلّل الذي يعبثُ بالأمن.
اللاجئ له حقّ الحياة الكريمة المؤقّتة وفق القوانين، والمتسلّل عليه أن يُخضع للتحقيق والمحاسبة الصارمة.
هنا فقط يكون التوازن بين الإنسانية والسيادة، بين الرحمة والواجب الوطني.
نحن أمام قضيةٍ لا تحتمل المجاملات ولا التسويف. فالأمنُ الوطني ليس مادةً للتفاوض ولا مساحةً للتجارب. وكلّ دولةٍ تفقدُ القدرةَ على معرفة من يعيش على أرضها، تفقدُ تلقائياً حقَّها في الادّعاء بأنّها دولةٌ ذات سيادة.
إنّ الواجبَ اليوم هو أن تتحرّك الأجهزةُ المختصّة فوراً لإحصاء كلّ المقيمين بطريقة غير شرعية، ووضع آليّات ترحيلٍ منظمة، مع خطّة حمايةٍ داخلية تمنع أيّ استغلالٍ أمنيّ أو استخباراتيّ. فلبنان لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات على حساب أمنه واستقراره ومستقبله.
إنّ الخطرَ من وجود هؤلاء بيننا ليس افتراضاً ولا وهماً، بل واقعٌ يوميٌّ يزدادُ خطورةً مع كلّ يومٍ يمرّ من دون ضبطٍ ومحاسبة. إنّنا نتحدّث عن فئةٍ مجهولةِ الهوية، لا تعلم الدولةُ من أين جاءت، ولا إلى من تنتمي، ولا ما الذي تخطّط له. فكيف نأمن على أبنائنا ومدارسنا وأحيائنا، وهناك من يعيش بيننا بلا هويةٍ ولا رقابةٍ ولا ولاءٍ واضح؟
لقد أصبح التهاونُ في هذا الملف خيانةً للأمن الوطني. فكلُّ غريبٍ مجهولٍ على أرضنا قد يكون مشروعَ خطرٍ أمنيٍّ أو عميلَ استخباراتٍ أو خليةً نائمة تنتظر اللحظة المناسبة لتتحرّك. لا يجوز بعد اليوم الاكتفاء بالتصريحات أو البيانات. فالدولةُ التي لا تعرف من يسكن بين حدودها، لا تعرفُ في الحقيقة من يحكمها.
من هنا، أطالبُ الحكومة اللبنانية بتحرّكٍ فوريٍّ وجادٍّ، يضع حدّاً لهذا الانفلات السكانيّ والأمنيّ، قبل أن نصحو على واقعٍ لا يمكن السيطرة عليه. فالأمن ليس شعاراً، بل واجبٌ وطنيٌّ مقدّس، وحمايةُ اللبنانيين من خطر المجهول هي أولى مسؤوليات الدولة إن كانت لا تزال تعتبر نفسها دولة.
تذكّروا سوريا… حين دخل الغرباء اليها كيف انهار الوطن..



