قصة الاسبوع ” إيلارا مونتفورد و أسرار إدنغلاس

كتبت / دعاء هزاع الجابري
ليست كل المدن أماكن تزار ، فبعضها أفكار تتسلل إلى الدم ، وأقدار تنتظر من يخطو الخطوة الخطأ وهو يظنها بداية ، فهناك مدن لا تبنى بالحجر وحده بل بالذاكرة وبالأسماء التي تجرأت على أن تعرف أكثر مما ينبغي ، مدن لا تعطي أسرارها دفعة واحدة بل تقايضها شيئا فشيئا ، بنظرة وذكرى ثم اسما كاملا ،
هذه ليست حكاية سحر كما يروى في الكتب ، ولا رحلة اكتشاف كما يتخيل الفضوليون ، إنها قصة مدينة تعرف كيف تصبر وكيف تنتظر وكيف تستعيد ما يخصها حين يكتمل الشرط ، قصة فتاة ظنت أن المعرفة خلاص فاكتشفت متأخرة أن بعض الأبواب لا تغلق لأن أحدا خرج منها بل لأنها ابتلعت من دخل
لقد ولدت ” إيلارا مونتفورد ” في احدى صباحات مدينة الضباب ” لندن ” في ساعة تزامن فيها المطر مع صمت غير مألوف ، تقول والدتها إن بكاءها الأول لم يكن صراخا بل زفيرا طويلا ، كأنها خرجت من حلم عميق على غير رغبة ، نشأت إيلارا في بيت يفيض بالكتب والخرائط ، حيث كان والدها ” توماس مونتفورد ” يقيس المدن بالمسافات ، بينما كانت والدتها ” ماريون غراي ” تقيسها بالمعاني ، فمن جهة الأم تنتمي إيلارا إلى ” آل غراي ” إحدى أقدم العائلات الاسكتلندية التي ارتبط اسمها بحراسة المعرفة السرية منذ القرن الثالث عشر ، أما من جهة الاب فقد عرفوا ” آل مونتفورد ” في الشمال بعلاقتهم بالمراصد الحجرية والرموز الفلكية المنقوشة على الجبال ، وكان يقال إنهم يقرأون حركة النجوم كما يقرأ غيرهم الوجوه ، وكبرت إيلارا وهي تشعر بأن لندن مدينة صاخبة لا تصغي ، كل شيء فيها يقال بصوت عال ولا شيء يهمس ، ومع ذلك كانت تسمع ما لا يسمعه الآخرون من : ارتجافة الجسور ، وأنين الحجر ، ونداء خافتا لا اسم له
في عامها العشرين ، وبينما كانت تقلب مذكرات جدتها الراحلة ، وجدت خريطة قديمة ” لاسكتلندا ” مرسومة بحبر باهت تتوسطها عبارة واحدة :
المدن الحقيقية لا ترى إلا لمن يعود ، ومنذ تلك اللحظة بدأ الفضول يتحول إلى ضرورة ، حتى شدت إيلارا رحالها شمالا لا هاربة من لندن ، بل مستجيبة لنداء أقدم من المدن نفسها ، وحين وصلت إلى ” إدنغلاس ” المدينة الاسكتلندية العتيقة ، شعرت بأن الزمن قد التف حولها بشوارعها الضيقة وحجارتها الرطبة الى جانب ضبابها الذي ليس عارضا جويا بل كائن حي ، ففي إدنغلاس كانت الأشياء تراقب أكثر مما ترى ، فقادها حدسها إلى زقاق مسدود ينتهي بجدار بلا باب ، وحين وضعت كفها عليه انشق الحجر ببطء ، كاشفا عن مدخل مدرسة ” كالديروين ” لفنون السحر الخفي ، لم يكن هناك حارس ولا لافتة ، فقط شعور قديم بالاعتراف ، وسئلت سؤالا واحدا : هل تقبلين أن تري ما لا يمكن نسيانه؟
فبدأت إيلارا دراستها بتعلم الإصغاء إلى : الرياح ، إلى اختلاف وقع الخطوات ، إلى الصمت بين دقات الساعة ، تعلمت أن السحر ليس تغيير العالم ، بل كشف طبقاته ، ومع تقدم دروسها بدأت إدنغلاس تنقسم أمامها إلى مدينتين : واحدة نهارية مألوفة ، وأخرى ليلية لا يراها سواها ، فرأت أبوابا تفتح في الجدران وسلالم تؤدي إلى طوابق لم تسجل في أي مخططو، رأت أناسا بملابس من عصور مختلفة يعبرون الساحات ثم يتلاشى أثرهم ، وقد حكت لها معلمتها السيدة ” مورفن ” عن أسرار المدينة ، عن برج يعيد الزمن دقيقة واحدة ، وعن نهر يكشف أسماء الذين لم يغادروا حقا ، وعن مكتبة تحت الأرض لا تحفظ الكتب بل الذكريات المنسية
وفي إحدى الليالي ، قادها السحر إلى سرداب قديم حيث وجدت أسماء عائلتها محفورة في الحجر ، وأدركت حينها أن ” آل غراي ” لم يكونوا مجرد حراس بل قرابين للمعرفة ، وأن كل جيل كان يدفع ثمنا كي تبقى المدينة متزنة ، وشعرت بأن الدم الذي يسري في عروقها ليس ملكها وحدها بل وديعة ، فخالفت إيلارا القواعد ودخلت جناحا محظورا في المدرسة ، وهناك رأت حقيقة السحر في :
ان المدينة لا تكشف أسرارها بلا مقابل ، وأن كل من يرى أكثر ينتمي أقل إلى العالم الخارجي ، وان إدنغلاس كانت تحتفظ بأرواح من أحبوها أكثر مما ينبغي
وفي صباح كثيف الضباب ، وقفت إيلارا على التل المطل على إدنغلاس ، رأت لندن في ذاكرتها كمدينة بعيدة بلا صوت ، حاولت أن تتذكر وجه والدتها فتشوش ، حتى اسمها هي بدا ثقيلا على لسانها ، فأدركت الحقيقة الأخيرة وهي : أن المدينة لم تكن تكشف نفسها لها ، بل كانت تستعيدها ، فحين انقشع الضباب لم يكن هناك سوى إدنغلاس وفتاة تمشي في شوارعها كأنها كانت دائما جزءا من حجرها ، أما إيلارا مونتفورد ابنة لندن ، فقد اصبحت اسماً آخر يهمس به في أروقة المدرسة ، تحذيرا لمن يظن أن السحر هبة لا دينا يستوفى كاملا
لم تكن إيلارا تعلم متى فقدت اسمها على وجه الدقة ، ولم يحدث ذلك دفعة واحدة بل بالتآكل ، كما يتآكل الحجر تحت المطر ، ففي البداية كانت تسمعه يتردد ضعيفا في رأسها ، ثم اصبح همسا ، ثم اختفى ، كأن الاسم نفسه لم يعد يجد ما يتشبث به داخلها ، ففي إدنغلاس لم يعد الليل ينتهي ، لقد كان الفجر يجيء مترددا باهتا ، وكأنه يؤدي واجبا لا يؤمن به ، وبدأت المدينة تظهر وجهها الأخير لها ، وجها لا يمنح حتى لطلاب مدرسة كالديروين ، رأت البيوت تنحني قليلا لا احتراما بل تذكيرا بالملكية ، ورأت الظلال تسير دون أصحابها وتسمع خطوات لا تترك أثرا ، واكتشفت أن الأرواح التي احتفظت بها المدينة لم تكن مسجونة بل كانت مستعملة ، فقد كانت تعاد صياغتها لتصبح ذاكرة حية بحراسة أبدية ضد النسيان ، وفهمت بعدها لماذا لم تمح ” إدنغلاس ” من الخرائط ولماذا بقيت رغم الحروب والأوبئة ، لأنها كانت تتغذى على الذين يعرفونها حقا
وفي سرداب المدرسة السفلي حيث لم تصل أي شمعة منذ قرون ، رأت إيلارا نقشا أخيرا يحمل اسم ” غراي ” يتبعه فراغ ، لا تاريخ وفاة و لا نهاية ، حيث الفراغ نفسه كان الخاتمة ، حاولت أن تقاوم ، حاولت أن تتذكر لندن ، صوت المترو ، ازدحام الوجوه ، رائحة الورق في مكتبة والدتها ، لكن الذكريات كانت تتسرب منها ، وتستبدل بصور شوارع إدنغلاس ، وأسمائها القديمة ، وصلوات حجرها الصامت ، أدركت حينها الحقيقة الأكثر قسوة وهي : أن السحر لم يسلبها حياتها بل منحها خلودا بلا ذات ، وفي الليلة الأخيرة ” إن كان للمدينة ليال أخيرة ” وقفت إيلارا عند البرج الذي يعيد الزمن دقيقة واحدة ودون ان تلمسه عرفت أن العودة ولو بدقيقة تحتاج إلى ذات كاملة أن تعود ، ومع شروق بلا لون أصبحت جزءا من النظام الخفي للمدينة ، لم تعد ترى بل كانت تحس في ارتجاف الهواء ، في ثقل الصمت ، في ذلك الشعور الغامض الذي يصيب الغرباء حين يخطون أول خطوة داخل إدنغلاس ، ومنذ ذلك الحين إن سألت أهل المدينة عن الفتاة القادمة من لندن ، سيهزون رؤوسهم قائلين :
لم يأتي أحد من هناك ، لكن إن أصغيت جيدا حين يشتد الضباب وتغيب الأسماء ، ستسمع المدينة تهمس باسم واحد ثم تبتلعه
وبعد زمن لم يعد يقاس ، جاءت فتاة أخرى من الجنوب ، لم تكن تشبه إيلارا لكنها حملت النظرة ذاتها بذلك الشرخ الخفيف في العين ، علامة الذين يسمعون ما لا يقال ، وصلت إلى إدنغلاس وفي يدها خريطة قديمة ورثتها عن جدة لم تذكر اسمها قط ، كانت المدينة هادئة أكثر من اللازم ، الضباب في مكانه ، الحجر في صبره ، والوقت يدور حول نفسه كحارس أنهكه الوقوف ، وحين مشت الفتاة في الشوارع شعرت بثقل غير مفهوم ، كأن أحدا يراقبها من داخل الجدران ، وفي زقاق مسدود توقفت أمام جدار أملس وضعت كفها عليه كما لو أنها تفعل ذلك منذ زمن ، حتى انشق الحجر ببطء ، وفي تلك اللحظة ارتجف هواء المدينة ارتجافة خفيفة ، ليس ألما بل اكتمالا ، ففي أعماق إدنغلاس حيث لا أسماء ولا تواريخ ، تحرك شيء قديم ليستقبل ما يعرفه مسبقا ، لم يعد أحد يتذكر ” إيلارا مونتفورد ” لم يبق لها أثر في لندن ، ولا في السجلات ، ولا في الذاكرة ، لقد استهلك الاسم كما تستهلك الكلمات التي أدت معناها ، لكن المدينة كانت تتذكر كل شيء ، كانت تعرف أن الدورة لا تحتاج إلى أسماء بل إلى دم مثوارت وفضول لا يعرف حدودا وقلب يظن أن المعرفة خلاص
وهكذا بينما كانت الفتاة الجديدة تخطو داخل مدرسة كالديروين ، أغلقت الدائرة بهدوء ، لم يحدث شيء استثنائي ، ولم يعلن عن بداية جديدة ، ففي إدنغلاس لا تبدأ الحكايات ، بل تعود .



