ابوظبي – محمد عاطف
في 88 ثانية فقط، لم تكن مجرد مباراة عادية، بل لحظة صنعت أسطورة، حين اعتلى كرم جابر بساط نهائي أولمبياد أثينا 2004، ليحول أقوى مصارعي العالم إلى ما يشبه دمية بين يديه، ويفرض سيطرته الكاملة حتى أنهى النزال بقرار عدم التكافؤ، معلنًا تتويجه بذهبية أعادت العلم المصري إلى منصات التتويج لأول مرة منذ أولمبياد لندن 1948، لكن هذه اللحظة لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة رحلة بدأت من شوارع الإسكندرية عام 1979، حيث نشأ طفل بدأ بالجمباز قبل أن يقع في حب المصارعة الرومانية متأثرًا بشقيقه الأكبر، لينضم إلى نادي شباب النصر ويبدأ في حصد البطولات المحلية ثم يشق طريقه نحو العالمية منذ أواخر التسعينيات، محققًا ذهبية البطولة العربية وبرونزية البحر المتوسط والعالم للناشئين، قبل أن يفرض نفسه كواحد من أفضل مصارعي العالم بحصده 6 ذهبيات إفريقية وعدة ألقاب دولية وجائزة أفضل لاعب عالمي أكثر من مرة، ليصل إلى ذروة المجد في أثينا، حيث لم يكن مجرد فائز بل كان ظاهرة فنية داخل البساط، لكن الرياضة لا تعترف بالماضي، ففي أولمبياد بكين 2008 سقط مبكرًا في مفاجأة صادمة، ليغيب بعدها قبل أن يعود في أولمبياد لندن 2012، حيث خاض نهائيًا مختلفًا تمامًا، أمام الروسي آلان خوجاييف، نزال تكتيكي مشحون بالتوتر، كل نقطة فيه كانت تساوي ذهبًا، انتهى بخسارة جابر واكتفائه بالميدالية الفضية، لكن القصة لم تنتهِ عند صافرة الحكم، إذ أثير جدل واسع داخل الأوساط الرياضية والإعلامية حول بعض القرارات التحكيمية وإمكانية الاعتراض، خاصة مع عدم استغلال الطعن القانوني في توقيته، ورغم أن اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد الدولي لم يثبتا رسميًا وجود خطأ تحكيمي، ظل الشعور بأن الذهب كان قريبًا جدًا حاضرًا بقوة، لتبقى مباراة لندن واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في مسيرة بطل اعتاد الحسم، قبل أن يدخل بعدها في مرحلة مختلفة شهدت إيقافه عام 2015 بسبب أزمة منشطات، ثم تجربة في السومو واتجاهًا إلى التمثيل، ورغم كل ذلك رفض عروض التجنيس متمسكًا بتمثيل بلاده، ليعود بشكل رمزي في بطولة الرواد 2023، وكأنه يذكر الجميع بأن الأسطورة لا تُختزل في ميدالية، فبين نزال حُسم في 88 ثانية بلا جدل، وآخر انتهى بفضية يحيطها الكثير من الأسئلة، تبقى قصة كرم جابر واحدة من أكثر الحكايات إلهامًا في تاريخ الرياضة، حيث لا تُقاس قيمة الأبطال فقط بما يعلق على صدورهم، بل بما يتركونه في ذاكرة الجماهير من لحظات لا تُنسى.



